إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٣ - الحق الرابع
و هو دخل في الدين،و وليجة في طريق المؤمنين. و من لا يقدر من نفسه على هذا فالانقطاع و العزلة أولى به من المؤاخاة و المصاحبة فإن حق الصحبة ثقيل لا يطيقه إلا محقق.فلا جرم أجره جزيل لا يناله إلا موفق.و لذلك قال عليه السلام[١] «أبا هرّ أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما و أحسن مصاحبة من صاحبك تكن مؤمنا» فانظر كيف جعل الإيمان جزاء الصحبة،و الإسلام جزاء الجوار.فالفرق بين فضل الإيمان و فضل الإسلام،على حد الفرق بين المشقة في القيام بحق الجوار و القيام بحق الصحبة فإن الصحبة تقتضي حقوقا كثيرة،في أحوال متقاربة مترادفة على الدوام،و الجوار لا يقتضي إلا حقوقا قريبة،في أوقات متباعدة لا تدوم و من ذلك التعليم و النصيحة:فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى المال فإن كنت غنيا بالعلم فعليك مواساته من فضلك،و إرشاده إلى كل ما ينفعه في الدين و الدنيا فإن علمته و أرشدته،و لم يعمل بمقتضى العلم،فعليك النصيحة و ذلك بأن تذكر آفات ذلك الفعل،و فوائد تركه،و تخوفه بما يكرهه في الدنيا و الآخرة لينزجر عنه،و تنبهه على عيوبه،و تقبح القبيح في عينه،و تحسن الحسن:و لكن ينبغي أن يكون ذلك في سر لا يطلع عليه أحد.فما كان على الملإ فهو توبيخ و فضيحة،و ما كان في السر فهو شفقة و نصيحة إذ قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«المؤمن مرآة المؤمن» أي يرى منه ما لا يرى من نفسه فيستفيد المرء بأخيه معرفة عيوب نفسه و لو انفرد لم يستفد.كما يستفيد بالمرآة الوقوف على عيوب صورته الظاهرة.و قال الشافعي رضي اللّه عنه.من وعظ أخاه سرا فقد نصحه و زانه و من وعظه علانية فقد فضحه و شانه.و قيل لمسعر. أ تحب من يخبرك بعيوبك!فقال إن نصحنى فيما بيني و بينه فنعم،و ان قرعني بين الملإ فلا و قد صدق فإن النصح على الملإ فضيحة و اللّه تعالى يعاتب المؤمن يوم القيامة تحت كفه في ظل ستره،فيوقفه على ذنوبه سرا.