إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٢ - الحق الرابع
و إنما شبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]الأخوين باليدين،تغسل إحداهما الأخرى،لينصر أحدهما الآخر و ينوب عنه.و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخذله له و لا يثلمه» و هذا من الانثلام و الخذلان.فإن إهماله لتمزيق عرضه كإهماله لتمزيق لحمه فأخسس بأخ يراك و الكلاب تفترسك،و تمزق لحومك و هو ساكت،لا تحركه الشفقة و الحمية للدفع عنك و تمزيق الأعراض أشد على النفوس من تمزيق اللحوم.و لذلك شبهه اللّه تعالى بأكل لحوم الميتة فقال أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [١]و الملك الذي يمثل في المنام ما تطالعه الروح من اللوح المحفوظ بالأمثلة المحسوسة،يمثل الغيبة بأكل لحوم الميتة حتى أن من يرى أنه يأكل لحم ميتة فإنه يغتاب الناس،لأن ذلك الملك في تمثيله يراعى المشاركة و المناسبة بين الشيء و بين مثاله،في المعنى الذي يجرى في المثال مجرى الروح لا في ظاهر الصور.فإذن حماية الأخوة بدفع ذم الأعداء و تعنت المتعنتين واجب في عقد الأخوة و قد قال مجاهد:لا تذكر أخاك في غيبته إلا كما تحب أن يذكرك في غيبتك. فإذن لك فيه معياران،أحدهما أن تقدر أن الذي قيل فيه،لو قيل فيك،و كان أخوك حاضرا،ما الذي كنت تحب أن يقوله أخوك فيك؟فينبغي أن تعامل المتعرض لعرضه به.و الثاني أن تقدر أنه حاضر من وراء جدار يسمع قولك، و يظن أنك لا تعرف حضوره،فما كان يتحرك في قلبك من النصرة له بمسمع منه و مرأى؟فينبغي أن يكون في مغيبه كذلك.فقد قال بعضهم:ما ذكر أخ لي بغيب الا تصورته جالسا فقلت فيه ما يحب أن يسمعه لو حضر.و قال آخر:ما ذكر أخ لي إلا تصورت نفسي في صورته،فقلت فيه مثل ما أحب أن يقال فيّ و هذا من صدق الإسلام،و هو أن لا يرى لأخيه إلا ما يراه لنفسه و قد نظر أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان في فدان، فوقف أحدهما يحك جسمه،فوقف الآخر فبكى و قال.هكذا الإخوان في اللّه،يعملان للّٰه،فإذا وقف أحدهما وافقه الآخر.و بالموافقة يتم الإخلاص.و من لم يكن مخلصا في إخائه فهو منافق.و الإخلاص استواء الغيب و الشهادة و اللسان و القلب،و السر و العلانية،و الجماعة و الخلوة،و الاختلاف و التفاوت في شيء من ذلك مما ذقة في المودة
[١] الحجرات:١٢