إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨١ - الحق الرابع
الأخوان ليستفاد منهم،لا ليتخلص عن أذاهم.و السكوت معناه كف الأذى.فعليه أن يتودد إليه بلسانه،و يتفقده في أحواله التي يحب أن يتفقد فيها،كالسؤال عن عارض إن عرض،و إظهار شغل القلب بسببه،و استبطاء العافية عنه،و كذا جملة أحواله التي يكرهها ينبغي أن يظهر بلسانه و أفعاله كراهتها.و جملة أحواله التي يسر بها،ينبغي أن يظهر بلسانه مشاركته له في السرور بها.فمعنى الأخوة المساهمة في السراء و الضراء.و قد قال عليه السلام [١]«إذا أحبّ أحدكم أخاه فليخبره» و انما أمر بالإخبار لأن ذلك يوجب زيادة حب.فإن عرف أنك تحبه أحبك بالطبع لا محالة.فإذا عرفت أنه أيضا يحبك زاد حبك لا محالة.فلا يزال الحب يتزايد من الجانبين و يتضاعف.و التحاب بين المؤمنين مطلوب في الشرع و محبوب في الدين.و لذلك علم فيه الطريق فقال[٢]«تهادوا تحابّوا» و من ذلك أن تدعوه بأحب أسمائه إليه في غيبته و حضوره.قال عمر رضي اللّه عنه.ثلاث يصفين لك ود أخيك أن تسلم عليه إذا لقيته أولا،و توسع له في المجلس،و تدعوه بأحبّ أسمائه إليه و من ذلك أن تثنى عليه بما تعرف من محاسن أحواله،عند من يؤثر هو الثناء عنده فإن ذلك من أعظم الأسباب في جلب المحبة.و كذلك الثناء على أولاده و أهله و صنعته و فعله،حتى على عقله و خلقه و هيئته و خطه و شعره و تصنيفه،و جميع ما يفرح به و ذلك من غير كذب و إفراط،و لكن تحسين ما يقبل التحسين لا بد منه. و آكد من ذلك أن تبلغه ثناء من أثنى عليه،مع إظهار الفرح،فإن إخفاء ذلك محض الحسد و من ذلك أن تشكره على صنيعه في حقك،بل على نيته و إن لم يتم ذلك.قال علي رضي اللّه عنه:من لم يحمد أخاه على حسن النية لم يحمده على حسن الصنيعة. و أعظم من ذلك تأثيرا في جلب المحبة الذب عنه في غيبته،مهما قصد بسوء،أو تعرّض لعرضه بكلام صريح أو تعريض.فحق الأخوة التشمير في الحماية و النصرة،و تبكيت المتعنت،و تغليظ القول عليه.و السكوت عن ذلك موغر للصدر،و منفر للقلب،و تقصير في حق الاخوة