إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٨ - أما ذكر مساويه و عيوبه و مساوى أهله
و قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«إنّما يتجالس المتجالسان بالأمانة و لا يحلّ لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره» قيل لبعض الأدباء:كيف حفظك للسر؟قال أنا قبره.و قد قيل:صدور الأحرار قبور الأسرار.و قيل:إن قلب الأحمق في فيه،و لسان العاقل في قلبه أي لا يستطيع الأحمق إخفاء ما في نفسه فيبديه من حيث لا يدرى به.فمن هذا يجب مقاطعة الحمقى،و التوقي عن صحبتهم،بل عن مشاهدتهم.و قد قيل لآخر كيف تحفظ السر؟قال أجحد المخبر،و أحلف للمستخبر.و قال آخر:أستره و أستر أني أستره.و عبر عنه ابن المعتز فقال
و مستودعي سرا تبوّأت كتمه فأودعته صدري فصار له قبرا
و قال آخر،و أراد الزيادة عليه
و ما السر في صدري كثاو بقبره لأني أرى المقبور ينتظر النشرا
و لكني أنساه حتى كأننى بما كان منه لم أحط ساعة خبرا
و لو جاز كتم السر بيني و بينه عن السر و الاحشاء لم تعلم السرا
و أفشى بعضهم سرا له إلى أخيه،ثم قال له حفظت؟فقال بل نسيت. و كان أبو سعيد الثوري يقول:إذا أردت أن تواخى رجلا فأغضبه،ثم دس عليه من يسأله عنك و عن أسرارك،فإن قال خيرا و كتم سرك فاصحبه.و قيل لأبي يزيد:من تصحب من الناس؟ قال من يعلم منك ما يعلم اللّه،ثم يستر عليك كما يستره اللّه.و قال ذو النون:لا خير في صحبة من لا يحب أن يراك إلا معصوما.و من أفشى السر عند الغضب فهو اللئيم،لأن إخفاءه عند الرضا تقتضيه الطباع السليمة كلها.و قد قال بعض الحكماء.لا تصحب من يتغير عليك عند أربع،عند غضبه و رضاه،و عند طمعه و هواه. بل ينبغي أن يكون صدق الأخوة ثابتا على اختلاف هذه الأحوال،و لذلك قيل
و ترى الكريم إذا تصرم وصله يخفى القبيح و يظهر الإحسانا
و ترى اللئيم إذا تقضى وصله يخفى الجميل و يظهر البهتانا
و قال العباس لابنه عبد اللّه،إنى أرى هذا الرجل،يعنى عمر رضي اللّه عنه،يقدمك