إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٦ - أما ذكر مساويه و عيوبه و مساوى أهله
اللّه قد حرّم على المؤمن من المؤمن دمه و ماله و عرضه و أن يظنّ به ظنّ السّوء» و قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«إيّاكم و الظّن ّ فإنّ الظّنّ أكذب الحديث»و سوء الظن يدعو إلى التجسس و التحسس.و قد قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«لا تحسّسوا و لا تجسّسوا و لا تقاطعوا و لا تدابروا و كونوا عباد اللّه إخوانا» و التجسس في تطلع الأخبار،و التحسس بالمراقبة بالعين.فستر العيوب،و التجاهل و التغافل عنها شيمة أهل الدين.و يكفيك تنبيها على كمال الرتبة في ستر القبيح و إظهار الجميل،أن للّٰه تعالى وصف به في الدعاء،فقيل يا من أظهر الجميل و ستر القبيح. و المرضى عند اللّه من تخلق بأخلاقه،فإنه ستار العيوب،و غفار الذنوب،و متجاوز عن العبيد.فكيف لا تتجاوز أنت عمن هو مثلك أو فوقك،و ما هو بكل حال عبدك و لا مخلوقك!و قد قال عيسى عليه السلام للحواريين،كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائما و قد كشف الريح ثوبه عنه؟قالوا نستره و نغطيه.قال بل تكشفون عورته.قالوا سبحان اللّه!من يفعل هذا؟فقال أحدكم يسمع بالكلمة في أخيه،فيزيد عليها و يشيعها بأعظم منها و اعلم أنه لا يتم إيمان المرء ما لم يحب لأخيه ما يحبه لنفسه.و أقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به.و لا شك أنه ينتظر منه ستر العورة،و السكوت على المساوئ و العيوب،و لو ظهر له منه نقيض ما ينتظره،اشتد عليه غيظه و غضبه.فما أبعده إذا كان ينتظر منه ما لا يضمره له،و لا يعزم عليه لأجله،و ويل له في نص كتاب اللّه تعالى حيث قال وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ اَلَّذِينَ إِذَا اكْتٰالُوا عَلَى النّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ وَ إِذٰا كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [١]و كل من يلتمس من الإنصاف أكثر مما تسمح به نفسه،فهو داخل تحت مقتضى هذه الآية و منشأ التقصير في ستر العورة،أو السعي في كشفها،الداء الدفين في الباطن،و هو الحقد و الحسد فإن الحقود الحسود يملأ باطنه بالخبث،و لكن يحبسه في باطنه،و يخفيه و لا يبديه مهما لم يجد له مجالا.و إذا وجد فرصة انحلت الرابطة،و ارتفع الحياء،و يترشح الباطن بخبثه الدفين.
[١] المطففين:١،٢،٣