إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٩ - الحق الأول
كما روي أنه سعي بجماعة من الصوفية إلى بعض الخلفاء،فأمر بضرب رقابهم،و فيهم أبو الحسين النوري،فبادر إلى السياف ليكون هو أول مقتول،فقيل له في ذلك،فقال أحببت أن أوثر إخواني بالحياة في هذه اللحظة.فكان ذلك سبب نجاة جميعهم في حكاية طويلة فإن لم تصادف نفسك في رتبة من هذه الرتب مع أخيك،فاعلم أن عقد الأخوة لم ينعقد بعد في الباطن.و إنما الجاري بينكما مخالطة رسمية،لاوقع لها في العقل و الدين.فقد قال ميمون ابن مهران. من رضي من الإخوان بترك الأفضال فليؤاخ أهل القبور.
و أما الدرجة الدنيا فليست أيضا مرضية عند ذوي الدين.روي أن عتبة الغلام،جاء إلى منزل رجل كان قد آخاه،فقال أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف،فقال خذ ألفين فأعرض عنه و قال:آثرت الدنيا على اللّه،أ ما استحييت أن تدعى الأخوة في اللّه و تقول هذا!و من كان في الدرجة الدنيا من الأخوة ينبغي أن لا تعامله في الدنيا.قال أبو حازم:
إذا كان لك أخ في اللّه فلا تعامله في أمور دنياك.و إنما أراد به من كان في هذه الرتبة و أما الرتبة العليا فهي التي وصف اللّه تعالى المؤمنين بها في قوله وَ أَمْرُهُمْ شُورىٰ بَيْنَهُمْ وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ [١]أي كانوا خلطاء في الأموال،لا يميز بعضهم رحله عن بعض.و كان منهم من لا يصحب من قال نعلى،لأنه أضافه إلى نفسه. و جاء فتح الموصلي إلى منزل لأخ له،و كان غائبا،فأمر أهله فأخرجت صندوقه،ففتحه و أخذ حاجته.فأخبرت الجارية مولاها، فقال إن صدقت فأنت حرة لوجه اللّه،سرورا بما فعل.و جاء رجل إلى أبي هريرة رضي اللّه عنه،و قال إنى أريد أن أو أخيك في اللّه،فقال أ تدري ما حق الأخاء؟قال عرفني.
قال:أن لا تكون أحق بدينارك و درهمك منى.قال:لم أبلغ هذه المنزلة بعد.قال:فاذهب عنى.و قال علي بن الحسين رضى اللّه عنهما لرجل،هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذنه؟قال:لا.قال:فلستم بإخوان.و دخل قوم على الحسن رضي اللّه عنه،فقالوا يا أبا سعيد،أ صليت؟قال نعم.قالوا فإن أهل السوق لم يصلوا بعد.قال و من يأخذ دينه من أهل السوق؟بلغني أن أحدهم يمنع أخاه الدرهم! قاله كالمتعجب منه
[١] الشورى:٣٨