إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٥ - الخامس أن يطلب التقرب إلى قلبه و تحصيل محبته
بل ثبت ما يدل على النهى عنه،كما سيأتي في هدايا الملوك .و إذا كان لا يجوز العوض عن اسقاط الشفعة،و الرد بالعيب،و دخول الأغصان في هواء الملك،و جملة من الأغراض مع كونها مقصودة،فكيف يؤخذ عن الجاه؟و يقرب من هذا أخذ الطبيب العوض على كلمة واحدة،ينبه بها على دواء ينفرد بمعرفته،كواحد ينفرد بالعلم بنبت يقلع البواسير أو غيره،فلا يذكره إلا بعوض،فإن عمله بالتلفظ به غير متقوم،كحبة من سمسم،فلا يجوز أخذ العوض عليه،و لا على علمه،إذ ليس ينتقل علمه إلى غيره،و إنما يحصل لغيره مثل علمه و يبقى هو عالما به .و دون هذا الحاذق في الصناعة كالصيقل مثلا،الذي يزيل اعوجاج السيف أو المرآة بدقة واحدة،لحسن معرفته بموضع الخلل،و لحذقه بإصابته،فقد يزيد بدقة واحدة مال كثير في قيمة السيف و المرآة،فهذا لا أرى بأسا بأخذ الأجرة عليه،لأن مثل هذه الصناعات يتعب الرجل في تعلمها ليكتسب بها،و يخفف عن نفسه كثرة العمل
الرابع:ما يقصد به المحبة
و جلبها من قبل المهدي إليه،لا لغرض معين،و لكن طلبا للاستئناس،و تأكيدا للصحبة،و توددا إلى القلوب.فذلك مقصود للعقلاء،و مندوب إليه في الشرع .قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«تهادوا تحابوّا»و على الجملة فلا يقصد الإنسان في الغالب أيضا محبة غيره لعين المحبة،بل لفائدة في محبته.و لكن إذا لم تتعين تلك الفائدة و لم يتمثل في نفسه غرض معين يبعثه في الحال أو المآل،سمى ذلك هدية و حل أخذها
الخامس:أن يطلب التقرب إلى قلبه و تحصيل محبته
،لا لمحبته و لا للأنس به من حيث إنه أنس فقط،بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض له ينحصر جنسها،و إن لم ينحصر عينها و كان لو لا جاهه و حشمته لكان لا يهدى إليه.فإن كان جاهه لأجل علم أو نسب،فالأمر فيه أخف،و أخذه مكروه ،فإن فيه مشابهة الرشوة.و لكنها هدية في ظاهرها.فإن كان جاهه بولاية تولاها من قضاء أو عمل،أو ولاية صدقة أو جباية مال أو غيره من الأعمال السلطانية،حتى ولاية الأوقاف مثلا،و كان لو لا تلك الولاية لكان لا يهدى إليه،فهذه رشوة عرضت في معرض الهدية:إذ القصد بها في الحال طلب التقرب و اكتساب المحبة،و لكن لأمر ينحصر في جنسه،إذ ما يمكن التوصل إليه بالولايات لا يخفى.و آية أنه لا يبغى المحبة أنه لو ولى