إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٤ - الغائلة الثالثة
و دخل وهب بن منبه،و طاوس،على محمد بن يوسف أخي الحجاج،و كان عاملا .و كان في غداة باردة في مجلس بارز.فقال لغلامه،هلم ذلك الطيلسان و ألقه على أبي عبد الرحمن أي طاوس،و كان قد قعد على كرسي.فألقى عليه،فلم يزل يحرك كتفيه حتى ألقى الطيلسان عنه.فغضب محمد بن يوسف.فقال وهب.كنت غنيا عن أن تغضبه لو أخذت الطيلسان و تصدقت به.قال نعم،لو لا أن يقول من بعدي إنه أخذه طاوس و لا يصنع به ما أصنع به إذن لفعلت
الغائلة الثالثة:
أن يتحرك قلبك إلى حبه،لتخصيصه إياك و إيثاره لك بما أنفذه إليك.فإن كان كذلك فلا تقبل.فإن ذلك هو السم القاتل،و الداء الدفين ،أعنى ما يحبب الظلمة إليك.فإن من أحببته لا بد أن تحرص عليه،و تداهن فيه.قالت عائشة رضى اللّه عنها جبلت النفوس على حب من أحسن إليها .و قال عليه السلام[١]«اللّهمّ لا تجعل لفاجر عندي يدا فيحبّه قلبي »بيّن صلّى اللّه عليه و سلم أن القلب لا يكاد يمتنع من ذلك و روى أن بعض الأمراء أرسل إلى مالك بن دينار بعشرة آلاف درهم،فأخرجها كلها فأتاه محمد بن واسع،فقال ما صنعت بما أعطاك هذا المخلوق؟قال سل أصحابي.فقالوا أخرجه كله.فقال أنشدك اللّه،أقلبك أشد حباله الآن أم قبل أن أرسل إليك؟قال لا بل الآن.قال إنما كنت أخاف هذا .و قد صدق.فإنه إذا أحبه أحب بقاءه،و كره عزله و نكبته و موته و أحب اتساع ولايته و كثرة ماله.و كل ذلك حب لأسباب الظلم،و هو مذموم .قال سلمان و ابن مسعود رضى اللّه عنهما،من رضى بأمر،و إن غاب عنه،كان كمن شهده.
قال تعالى وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [١]قيل لا ترضوا بأعمالهم ،فان كنت في القوة بحيث لا تزداد حبا لهم بذلك،فلا بأس بالأخذ و قد حكى عن بعض عباد البصرة أنه كان يأخذ أموالا و يفرقها،فقيل له ألا تخاف أن تحبهم؟فقال لو أخذ رجل بيدي و أدخلنى الجنة،ثم عصى ربه،ما أحبه قلبي،لأن الذي سخره للأخذ بيدي،هو الذي أبغضه لأجله شكرا له على تسخيره إياه
[١] هود:١١٣