إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٢ - الحالة الثالثة أن يعتزلهم
إلى ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة،فخذ به الآن،و ما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن.فلعل تلك الساعة قريبة.
و دخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك،فقال تكلم يا أعرابي،فقال يا أمير المؤمنين إنى مكلمك بكلام فاحتمله و إن كرهته،فإن وراءه ما تحب إن قبلته.فقال يا أعرابي،إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه،و لا نأمن غشه،فكيف بمن نأمن غشه و نرجو نصحه؟فقال الأعرابي:يا أمير المؤمنين،إنه قد تكنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم،و ابتاعوا دنياهم بدينهم،و رضاك بسخط ربهم.خافوك في اللّه تعالى و لم يخافوا اللّه فيك.حرب الآخرة سلم الدنيا.فلا تأتمنهم على ما ائتمنك اللّه تعالى عليه،فإنهم لم يألوا في الأمانة تضييعا،و في الأمة خسفا و عسفا.و أنت مسئول عما اجترحوا،و ليسوا بمسئولين عما اجترحت.فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك،فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره .فقال له سليمان:يا اعرابي،أما إنك قد سللت لسانك و هو أقطع سيفيك،قال:أجل يا أمير المؤمنين،و لكن لك لا عليك.
و حكى أن أبا بكرة دخل على معاوية،فقال اتق اللّه يا معاويه،و اعلم أنك في كل يوم يخرج عنك،و في كل ليلة تأتي عليك،لا تزداد من الدنيا إلا بعدا،و من الآخرة إلا قربا و على أثرك طالب لا تفوته.و قد نصب لك علما لا تجوزه.فما أسرع ما تبلغ العلم،و ما أوشك ما يلحق بك الطالب.و إنا و ما نحن فيه زائل.و في الذي نحن إليه صائرون باق إن خيرا فخير،و إن شرا فشر .
فهكذا كان دخول أهل العلم على السلاطين،أعنى علماء الآخرة.فأما علماء الدنيا فيدخلون ليتقربوا إلى قلوبهم،فيدلونهم على الرخص،و يستنبطون لهم بدقائق الحيل طرق السعة فيما يوافق أغراضهم ،و إن تكلموا بمثل ما ذكرناه في معرض الوعظ،لم يكن قصدهم الإصلاح،بل اكتساب الجاه و القبول عندهم.و في هذا غروران يغتر بهما الحمقى أحدهما:أن يظهر أن قصدى في الدخول عليهم إصلاحهم بالوعظ،و ربما يلبسون على أنفسهم بذلك،و إنما الباعث لهم شهوة خفية للشهرة و تحصيل المعرفة عندهم.و علامة الصدق في طلب الإصلاح أنه لو تولى ذلك الوعظ غيره،ممن هو من أقرانه في العلم،و وقع