إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٩ - الحالة الثالثة أن يعتزلهم
و كل من أحاط علمه بظلم ظالم و معصية عاص،فينبغي أن يحط ذلك من درجته في قلبه.فهذا واجب عليه،لأن من صدر منه ما يكره نقص ذلك من رتبته في القلب لا محالة.و المعصية ينبغي أن تكره،فإنه إما أن يغفل عنها،أو يرضى بها،أو يكره،و لا غفلة مع العلم،و لا وجه للرضا،فلا بد من الكراهة.فليكن جناية كل أحد على حق اللّه،كجنايته على حقك فإن قلت:الكراهة لا تدخل تحت الاختيار ،فكيف تجب؟ قلنا:ليس كذلك.فإن المحب يكره بضرورة الطبع ما هو مكروه عند محبوبه و مخالف له.فإن من لا يكره معصية اللّه لا يحب اللّه.و إنما لا يحب اللّه من لا يعرفه.و المعرفة واجبة.و المحبة للّٰه واجبة.و إذا أحبه كره ما كرهه،و أحب ما أحبه.و سيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبة و الرضا فإن قلت:فقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين، فأقول نعم تعلّم الدخول منهم ثم ادخل.كما حكى أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى مكة،فلما دخلها قال ائتوني برجل من الصحابة.فقيل يا أمير المؤمنين قد تفانوا.فقال من التابعين.فأتى بطاوس اليماني.فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه،و لم يسلم عليه بإمرة المؤمنين،و لكن قال، السلام عليك يا هشام،و لم يكنّه ،و جلس بإزائه،و قال كيف أنت يا هشام؟فغضب هشام غضبا شديدا حتى همّ بقتله.فقيل له أنت في حرم اللّه و حرم رسوله،و لا يمكن ذلك.فقال له يا طاوس،ما الذي حملك على ما صنعت؟قال و ما الذي صنعت؟فازداد غضبا و غيظا.قال خلعت نعليك بحاشية بساطي.و لم تقبل يدي.و لم تسلم علىّ بإمرة المؤمنين.و لم تكننى.و جلست بإزائى بغير إذنى و قلت كيف أنت يا هشام.قال أما ما فعلت من خلع نعلى بحاشية بساطك،فإنى أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات و لا يعاقبني،و لا يغضب علىّ.و أما قولك لم تقبل يدي فإنى سمعت أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضى اللّه عنه يقول:لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة،أو ولده من رحمة.و أما قولك لم تسلم علىّ بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك.فكرهت أن أكذب.و أما قولك لم تكننى،فإن اللّه تعالى سمى أنبياءه و أولياءه،فقال يا داود،يا يحيى،يا عيسى،و كنى أعداءه،فقال تبت يدا أبي لهب.
و أما قولك جلست بازائى،فانى سمعت أمير المؤمنين عليا رضى اللّه عنه يقول:إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار،فانظر إلى رجل جالس و حوله قوم قيام.فقال له هشام عظني