إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٦٩ - مستدرك طعنه عليه السلام بخنجر و هو ساجد
ألسنتهم ينطق. إن رجوا طبعا أو جفوا. و إن استغني عنهم أرجفوا. ثم يلحقون الفتن بالفجور و يشققون لها حطب النفاق. عيابون مرتابون إن لووا عروة أمر حنقوا. و إن دعوا إلى غي أسرفوا. و ليسوا أولئك بمنتهين و لا بمقلعين و لا متعظين حتى تصيبهم صواعق خزي و بيل، و تحل بهم قوارع أمر جليل. تجتث أصولهم كاجتثاث أصول الفقع، فأولى لأولئك ثم أولى، فإنا قد قدمنا و أنذرنا إن أغنى التقدم شيئا أو نفع النذر».
فدعا معاوية الضحاك فولاه الكوفة- و ترك المغيرة. و دعا عبد الرحمن فولاه الجزيرة.
ثم قام أبو حنيف فقال:
«يا أمير المؤمنين: إنا لا نطيق ألسنة مضر و خطبها. أنت يا أمير المؤمنين فإن هلكت فيزيد بعدك. فمن أبى فهذا. و سل سيفه. فقال معاوية: أنت أخطب القوم و أكرمهم».
ثم قام الأحنف بن قيس فقال:
«أنت أعلمنا بليله و نهاره، و سره و علانيته. فإن كنت تعلم أنه شر لك فلا تزوده الدنيا و أنت صائر إلى الآخرة. فإنه ليس لك من الآخرة إلّا ما طاب. و اعلم أنه لا حجة لك عند اللّه إن قدمت يزيد على الحسن و الحسين و أنت تعلم من هما و إلى ما هما. و إنما علينا أن نقول سمعنا و أطعنا ربنا و إليك المصير».
هذا ما دبره معاوية ليولي ابنه يزيد الخلافة بعده، و في ذلك نقض لما شرطه عليه الحسن.
و قد سمع معاوية الخطباء الذين تكلموا فمدحوا يزيد و أثنوا عليه ثناء عاطرا و طلبوا توليته لاستحقاقه. و قد أجمعوا على ذلك بناء على ايعاز سابق، و لم يخالفهم غير الأحنف بن قيس، و كان كما ذكرنا في الهامش من دهاة العرب و عقلائهم. فإنه دعا معاوية إلى الوفاء للحسن و صرح له أن وراء الحسن خيولا و جيادا و أذرعا شدادا و سيوفا حدادا. أي أن له شيعة قوية تسنده و تحارب من أجله. و في هذا تهديد و وعيد. لم يرد عليه معاوية حين قال له:
و اعلم أنه لا حجة لك عند اللّه إن قدمت يزيد على الحسن و الحسين و أنت تعلم من هما. لم يرد عليه لأنه لم يشأ إثارة هذا الموضوع في مجتمع حافل فيه من يقدر عليا و أولاده و من يفضل الحسن على يزيد. فأعرض معاوية عن ذكر البيعة حتى قدم المدينة سنة ٥٠ فتلقاه الناس، فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب و إلى عبد اللّه بن عمر و إلى عبد اللّه بن الزبير و أمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر. فلما جلسوا تكلم معاوية فقال: