إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٣٥ - فضائل سيدنا الحسن السبط الأكبر سلام الله عليه ميلاده عليه السلام
اللّه عليه و سلم القائل: «الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر» فكيف يتنعم الحسن في الدنيا و هو مؤمن و يشقى اليهودي و هو كافر؟ و لما ذا لا يكون حالهما بالعكس إذا كان حديث رسول اللّه صادقا؟ سؤال يريد به إحراج الحسن من جهة و تشكيكه في حديث رسول اللّه من جهة أخرى. لكن الحسن رضي اللّه عنه كان حاضر البديهة. فأجاب بجواب مقنع مفحم حيث أوضح له أن حالته التي يشكو منها إنما هي كالجنة بالنسبة إلى عذاب الآخرة الذي أعد للكافرين و أن حالة الحسن التي ظنها نعيما إنما هي كالسجن بالنسبة إلى نعيم الجنة الذي أعد للمتقين.
قال ابن سيرين: تزوج الحسن امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم
و لا ريب أن كثرة الزواج و الطلاق تحتاج إلى كثرة الإنفاق.
قال سفيان بن عيينة: كثرة النساء ليست من الدنيا. و أنكر بعض الناس حال الصوفية فقال له بعض ذوي الدين: ما الذي تنكر منهم؟ قال: يأكلون كثيرا. قال: و أنت أيضا لو جعت كما يجوعون لأكلت كما يأكلون. قال: ينكحون كثيرا. قال: و أنت أيضا لو حفظت عينيك و فرجك كما يحفظون لنكحت كما ينكحون.
وجه الحسن ذات يوم بعض أصحابه لطلاق امرأتين من نسائه و قال لهما: اعتدا و أمره أن يدفع إلى كل واحدة منهما عشرة آلاف درهم. ففعل. فلما رجع إليه، قال: ما ذا فعلت؟ قال:
أما إحداهما فنكست رأسها و تنكست، و أما الأخرى فبكت و انتحبت و سمعتها تقول: «متاع قليل من حبيب مفارق».
فأطرق الحسن و ترحم لها. و قال: لو كنت مراجعا امرأة بعد ما فارقتها لراجعتها.
و دخل الحسن ذات يوم على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقيه المدينة و رئيسها و لم يكن له بالمدينة نظير و به ضربت المثل عائشة رضي اللّه عنها حيث قالت: «لو لم أسر مسيري ذلك لكان أحب إلي من أن يكون لي ستة عشر ذكرا من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام» فدخل عليه الحسن في بيته فعظمه عبد الرحمن و أجلسه في مجلسه. و قال: ألا أرسلت إلي فكنت أجيئك؟ فقال: الحاجة لنا. قال: و ما هي؟ قال:
جئتك خاطبا ابنتك. فأطرق عبد الرحمن ثم رفع رأسه و قال: و اللّه ما على وجه الأرض أحد يمشي عليها أعز علي منك، و لكنك تعلم أن ابنتي بضعة مني يسوءني ما ساءها و يسرني ما سرها و أنت مطلاق فأخاف أن تطلقها، و إن فعلت خشيت أن يتغير قلبي عليك فأنت بضعة