إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٥٦٥ - مستدرك طعنه عليه السلام بخنجر و هو ساجد
ففكر معاوية في ذلك، ثم بدا له أن يأخذ برأي المغيرة. فلما اجتمعت وفود الأمصار بدمشق و فيهم الأحنف بن قيس، دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري فقال له: «إذا جلست على المنبر و فرغت من بعض موعظتي و كلامي، فاستأذني للقيام. فإذا أذنت لك، فاحمد اللّه تعالى و اذكر يزيد و قل فيه الذي يحق له عليك من حسن الثناء عليه. ثم ادعني إلى توليته من بعدي، فإني رأيت و أجمعت على توليته. فأسأل اللّه في ذلك و في غيره الخيرة و حسن القضاء» فمعاوية يملي إرادته على الضحاك.
ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي و عبد اللّه بن مسعدة الفزاري و ثور بن معن السلمي و عبد اللّه بن عصام الأشعري، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك و أن يصدقوا قوله و يدعوه إلى يزيد.
فلما جلس معاوية على المنبر و فرغ من بعض موعظته و هؤلاء النفر في المجلس قد قعدوا للكلام، قام الضحاك بن قيس، فاستأذن في الكلام فأذن له، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:
«أصلح اللّه أمير المؤمنين و أمتع به. إنا قد بلونا الجماعة و الألفة، و الاختلاف و الفرقة، فوجدناها ألم لشعثنا و أمنة لسبلنا و حاقنة لدمائنا و عائدة علينا في عاجل ما نرجو به الجماعة من الألفة، و لا خير لنا أن نترك سدى و الأيام عوج رواجع. و اللّه يقول:كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ و لسنا ندري ما يختلف به العصران. و أنت يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك من أنبياء اللّه و خلفائه. نسأل اللّه تعالى بك المتاع. و قد رأينا من دعة يزيد ابن أمير المؤمنين و حسن مذهبه و قصد سيرته و يمن نقيبته، مع ما قسم اللّه له من المحبة في المسلمين و الشبه بأمير المؤمنين في عقله و سياسته و شيمته المرضية ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا و القنوع به في الولاية علينا. فليوله أمير المؤمنين- أكرمه اللّه- عهده. و ليجعله لنا ملجأ و مفزعا بعده نأوي إليه إن كان كون. فإنه ليس أحد أحق بها منه. فاعزم على ذلك، عزم اللّه لك في رشدك، و وفقك في أمورنا».
فالضحاك أطاع أمر معاوية و مدح يزيد و جعله كمعاوية. أما قوله: فإنه ليس أحد أحق بها منه، فهذا كذب صريح و نفاق واضح (كان الضحاك على شرطة معاوية، و حارب في جيشه و استعمله على الكوفة بعد زياد سنة ٥٣، و لما توفي معاوية صلى الضحاك عليه، و ضبط البلد حتى قدم يزيد فكان مع يزيد و ابنه معاوية إلى أن ماتا.)