منتهى المقال في أحوال الرجال - الحائري، ابو علي - الصفحة ١٠ - المقدمة
الثانية. و هذا أمر نسبيّ ينقاد إلى سعي المستنبط و اجتهاده، فلربما تتوافر لديه جملة من القرائن و الشواهد التي تعزز الثقة ببعض الرواة فيعتمد نتيجة ذلك على مروياته أو يكون العكس من ذلك فتطرح، و إلى غير ذلك ممّا هو مذكور في محلّه.
و لا غرابة من ذلك، فالكثير من الشواهد و الأدلة القاطعة قد أظهرت جملة من الكذّابين و الوضّاعين الذين تلاعبوا في الحديث حسب ما تقتضيه مصالح ساستهم و أولياء أمورهم خصوصا بعد الانحراف التاريخي الذي حصل بعد وفاة الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل و قد حذّر القرآن و أعلن ذلك بصراحة و وضوح حيث قال اللّه تبارك و تعالى:
وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلّٰا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّٰهُ الشّٰاكِرِينَ [١].
و لعلّ أوّل من نبّه على هذا الأمر و على خطورته، و على الحاجة الماسة إلى هذا العلم- أعني علم الرّجال- هو الرّسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حيث قال: «ستكثر بعدي القالة عليّ» [٢].
و قد فصّل الكلام و البحث مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله سليم بن قيس الهلاليّ الكوفيّ قائلا: إنّي سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذرّ شيئا من تفسير القرآن و أحاديث عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) غير ما في أيدي النّاس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم.
و رأيت في أيدي النّاس أشياء كثيرة من تفسير القرآن و من الأحاديث
[١] آل عمران: ١٤٤.
[٢] المعتبر- المقدّمة-: ١/ ٢٩.