شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٣٠ - الحديث الرابع و العشرون
و إذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا و يداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا، فلمّا سمعوا ذلك انصرفوا خائبين.
[الحديث الرابع و العشرون]
٢٤- عليّ بن محمّد، عن الحسن بن الحسين قال: حدّثني محمّد بن الحسن المكفوف قال: حدّثني بعض أصحابنا، عن بعض فصّادي العسكر من النصارى أنّ أبا محمّد (عليه السلام) بعث إليّ يوما في وقت صلاة الظهر، فقال لي: افصد هذا العرق قال: و ناولني عرقا لم أفهمه من العروق التي تفصد، فقلت فى نفسي: ما رأيت أمرا أعجب من هذا، يأمرني أن أفصد في وقت الظهر و ليس بوقت فصد، و الثانية عرق لا أفهمه، ثمّ قال لي: انتظر و كن في الدّار، فلمّا أمسى دعاني و قال لي: سرّح الدّم فسرّحت ثمّ قال لي: أمسك فأمسكت، ثمّ قال لي: كن في الدّار، فلمّا كان نصف اللّيل أرسل إليّ و قال لي: سرّح الدّم قال: فتعجّبت أكثر من عجبي الأوّل و كرهت أن أسأله قال: فسرّحت فخرج دم أبيض كأنّه الملح. قال: ثمّ قال لي: احبس قال: فحبست قال: ثمّ قال: كن في الدّار، فلمّا أصبحت أمر قهرمانه أن يعطيني
<قوله>: ارتعدت فرائصنا)
(١) أى رجفت من الخوف اللحمة التى بين الجنب و الكتف أو أوداج الرقبة و عروقها.
قوله: فلما أصبحت أمر قهرمانه)
(٢) [١] فى النهاية القهرمان كالخازن و الوكيل الحافظ لما تحت يده و القائم بامور الرجل بلغة الفرس.
[١] قوله «أمر قهرمانه» و روى القصة فى الخرائج بوجه ابسط و لعل غرض الامام (ع) من فعله ذلك أن الطب و العلوم الطبيعية كانت رائجة فى ذلك العصر و أكثر الناس مقبلون عليها و هى للعوام مزلة فانهم يجعلون القوى الطبيعية مضادة للتأثيرات الروحانية و ربما يتوهمون الاستغناء عن التوسل و الدعاء بالاسباب المادية كما نرى فى عصرنا من كثير فأراد (ع) خرق العادة بخلع الاسباب عن التأثير و توجيه النفوس الى اللّه تعالى و مبدأ للامور غير الطبائع و هذا معلوم فى الجملة للفلاسفة. و الشيخ أبو على بن سينا أورد فى الاشارات ثلاثة أدلة لاثبات أن النفس ليست هى المزاج او تابعا للمزاج بل هى تعارض مزاج البدن و تنافيه، الدليل الاول الحركة الارادية الى جهات مختلفة فانها ليست للطبائع فان الطبيعة تقتضي شيئا واحدا غير مختلف فالحركة الى فوق و الطبيعة تميل الى السفل تدل على أن النفس ليست من الطبيعة، الثانى الحس و الادراك فانهما ليسا للطبيعة و المزاج و هو واضح، الثالث أن الطبائع المختلفة فى المزاج تقتضى الانفكاك فى أسرع ما يكون من الزمان و لذا يتلاشى البدن بعد الموت بلا مهلة و أن النفس تقهر المزاج على الثبات و البقاء و جمع الاضداد مدة طويلة فليست النفس مزاجا أو متفرعة على المزاج بل لها مبدأ آخر و لذلك تقدر على قهر المزاج على خلاف مقتضى طبعه و هذه امور يغفل عنها الطبيعيون و الاطباء اذ فنهم حفظ المزاج فتبين بعمل الامام (ع) و فصده أن النفس القوية قادرة على قهر الطبيعة على خلاف مقتضاها كما أن نفوسنا أيضا تقدر على ذلك و الاختلاف بين النفوس بالشدة و الضعف الا أن قهر نفوسنا لا بد أننا معتاد معهود يغفل عنه و قهر نفس الامام (ع) لمقتضى طبيعته كان خرقا للعادة موجبا للاعجاب و سببا لالتفات الناس الى مبدأ آخر فى العالم قاهر للطبائع.
و روى فى المناقب عن الامام (ع) كلاما يحل العقدة عن عويصة اخرى نظير ذلك و هو أن العقل اذا دل على شيء صريحا و دل ظاهر الشرع على خلافه لا يجوز رد الشرع أو الشك فيه بل يجب تأويل ظاهر الشرع اذ ربما يصدر عن القائل الحكيم كلام لا يراد به ظاهره بل مقصود القائل غيره. قال فى المناقب عن أبى القاسم الكوفى فى كتاب التبديل أن إسحاق الكندى يعنى يعقوب بن إسحاق كان فيلسوف العراق فى زمانه أخذ فى تأليف تناقض القرآن و شغل نفسه بذلك و تفرد به فى منزله و أن بعض تلامذته دخل يوما على الامام الحسن العسكرى (ع) فقال له أبو محمد أما فيكم رجل رشيد يردع استادكم الكندى عما أخذ فيه الى أن قال: قال أبو محمد أ تودي إليه ما ألقيه أليك قال نعم قال ... فقل له ان أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم به منه غير المعانى التى قد ظننتها انك ذهبت إليها فانه سيقول انه من الجائز. اه. (ش)