أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٧٩ - (٢) المشهد الحسيني
أمّا الرأي الذي يقول: إنّ الرأس موجود في رباط مرو بخراسان هو منقوض من أساسه؛ لأنّ أبا مسلم الخراساني الذي قيل: إنّه نقل الرأس من دمشق، لمّا استولى عليها و بنى عليها الرباط بمرو، لم يكن أبو مسلم موجودا بالشام وقت فتحها أيام العباسيّين، ثم إنّ العباسيّين لو ظفروا بالرأس لأظهروه للناس.
و أقرب الآراء: أنّ الرأس وضع أول الأمر في خزائن السلام بدمشق، ثم دفن في عسقلان على البحر، و حين استولى الفرنجة على عسقلان تقدّم الصالح طلائع بن رزّيك وزير الفاطميّين بمصر، فدفع ٣٠ ألف درهم، و استردّ الرأس الشريف، و نقله إلى مصر، حيث جاء الرأس في حراسة ثلّة من الجند، و استقبله الخليفة الفاطمي- كما يقول الإمام الشعراني [١] في طبقات الأولياء [٢]- هو و عسكره حفاة من الصالحية، و قد وضع الرأس الشريف في كيس أخضر من الحرير، على كرسي آبنوس، و فرش تحته المسك و الطيب، و بنى عليه القبّة المعروفة.
و الدليل على وجود الرأس الشريف ما ذكره عثمان مدوخ في كتابه «العدل الشاهد في تحقيق المشاهد» و قد ألّفه في القرن التاسع عشر، و قال فيه: «إنّ المرحوم عباس كتخدا الفزدوغلي لمّا أراد توسيع المسجد المجاور للمشهد الحسيني، قيل: إنّ هذا المشهد لم يثبت فيه دفن، فأراد تحقيق ذلك، فكشف المشهد الشريف بمحضر من الناس، و نزل فيه الأستاذ الجوهري الشافعي و الأستاذ الشيخ
فجعل يأخذ قبضة قبضة و يشمّها حتّى وقع على قبر الحسين، فبكى و قال: بأبي أنت و أمي، ما كان أطيبك و أطيب تربتك! ثم أنشأ يقول:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه* * * فطيب تراب القبر دلّ على القبر»
[١]. أبو محمد عبد الوهاب بن أحمد بن علي الحنفي الشعراني، من العلماء المتصوّفين، يرجع نسبه إلى ابن الحنفية محمد بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام). ولد سنة ٨٩٨ ه في قلقشندة بمصر، و نشأ بساقية أبي شعرة إحدى قرى المنوفية، و إليه يرجع نسبه، له مصنّفات منها: طبقات الأولياء، لواقح الأنوار في طبقات الأخيار، البدر المنير و غيرها، توفّي سنة ٩٧٣ ه بالقاهرة. راجع شذرات الذهب ٨: ٣٧٢- ٣٧٣.
[٢]. طبقات الأولياء: ٢٦. و راجع نور الأبصار: ٢٦٩- ٢٧٠.