أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٥١ - في مشروعية الزيارة لقبور الصالحين
إلّا في هذه المساجد الثلاثة المذكورة يكون الثواب أكبر [١]. و هذا لا يعني ألّا يسافر المرء إلى مسجد غير هذه الثلاثة المذكورة، و إلّا لما حرص المسلمون على الصلاة في مسجد قباء على سبيل المثال، و هم قد جاءوا إلى هذا من بلاد بعيدة، و كذلك يحرص الحجّاج و المعتمرون على زيارة مساجد المدينة و مكّة للصلاة فيها.
فالمعنى ينصرف إلى بيان أفضلية المساجد الثلاثة على غيرها، و لا ينفي السفر لزيارة غيرها و الصلاة فيها، و كلّ له درجته عند اللّه.
و حول الحديث الثاني، و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا تجعلوا قبري عيدا» من رواية أبي داود [٢] فإنّ ما فهمه العلماء المنصفون هو: ألّا تجعلوا قبر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) كالعيد بالعكوف عليه و إظهار الزينات عنده، و الاشتغال عنده باللهو و الطرب ممّا يجتمع له في الأعياد، أي: لا يؤتى القبر إلّا للدعاء و الزيارة. و هذا كلام ابن حجر رضي اللّه عنه، ثم أضاف: و كذلك يعلم من الحديث: ألّا تجعلوا للزيارة يوما مخصوصا مثلما للعيد يوم مخصوص، فلا يزار القبر إلّا في هذا اليوم فقط [٣].
كما يستفاد من الحديث: الزجر عن سوء الأدب عند القبور، و التزام الأدب الذي لا يتجاوز الدعاء و الاعتبار و التأسي بأعمال و سيرة الصالحين الذين تضمّهم هذه القبور.
و عن الحديث النبوي الشريف: «اشتدّ غضب اللّه على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» [٤]، فقد جعل بعض المعترضين من هذه ذريعة لمنع الزيارة، و يزعمون أنّ سبب المنع لديهم المحافظة على التوحيد، و هذا الزعم باطل؛ لأنّ الممنوع هو اتّخاذ القبور مساجد يعكفون عليها، أمّا الزيارة و الدعاء عند القبور بقصد الموعظة
[١]. انظر شرح الكرماني على صحيح البخاري ٧: ١٢.
[٢]. سنن أبي داود ٢: ٢١٨ كتاب المناسك باب: زيارة القبور ح ٢٠٤٢. و أورده المتقي الهندي في الكنز ١:
٤٩٨ ح ٢١٩٩ و عزاه إلى الحكيم.
[٣]. الجوهر المنظم لابن حجر، ذكره السمهودي في وفاء الوفاء ٢: ٦١٢.
[٤]. رواه ابن أبي شيبة في المصنّف ٨: ٣٢٥، و ابن عبد البرّ في التمهيد ٥: ٤١ و ٤٣ كلاهما عن أبي سعيد الخدري.