أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ٥٠ - في مشروعية الزيارة لقبور الصالحين
قياس الأولى، و هو قبر المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) [١].
و لقد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يزور أصحابه في البقيع و في أحد- رضي اللّه عنهم جميعا- و من بعده (صلّى اللّه عليه و آله) كان الصحابة الكرام يواظبون على هذه الزيارة، و لو كانوا يأتون إلى هذه الأماكن من بلاد بعيدة. و من بعد الصحابة إلى اليوم يواظب المقتدون به (صلّى اللّه عليه و آله) على هذه الزيارة كسنّة متوارثة جيلا بعد جيل.
غير أنّ هناك من يعترضون على زيارة مشاهد آل البيت، لزعمهم أنّ الحديث الشريف ينصّ على عدم شدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد فقط: المسجد الحرام، و المسجد النبوي، و المسجد الأقصى. بينما جاء في تفسير الحديث الشريف «لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد» [٢]: أنّ جميع المساجد متساوية في فضل الصلاة فيها
[١]. أفتى فقهاء الإسلام بجواز زيارة القبور، و خاصّة قبور الأنبياء و الأولياء الصالحين، استنادا إلى مجموعة من الأدلّة الشرعية من الكتاب و السنّة و الإجماع و القياس و العقل، بل قد أفتى أئمة المذاهب كلّها باستحبابها و أفضليتها. يقول ابن هبيرة ٥٦٠ ه في كتابه «اتّفاق الائمة»: اتّفق مالك و الشافعي و أبو حنيفة و أحمد رضي اللّه عنهم على أنّ زيارة قبر النبي مستحبّة (عند كتاب المدخل لابن الحاج ١: ٢٥٦).
و قد ألّف تقي الدين السبكي الشافعي ٧٥٦ ه كتابا حافلا في خصوص زيارة النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و باقي الأولياء الصالحين أسماه «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» ردّا على ابن تيمية، و ذكر كثيرا من أحاديث الباب، ثم عقد بابا في نصوص العلماء من المذاهب الأربعة على استحبابها، ثم قال: «إنّ ذلك مجمع عليه بين المسلمين» و قال: «لا حاجة إلى تتبّع كلام الأصحاب في ذلك مع العلم باجماعهم و إجماع سائر العلماء عليه، و الحنفية قالوا: إنّ زيارة قبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من أفضل المندوبات و المستحبات، بل يقرب من درجة الواجبات» (راجع ص ٤٨).
و يقول السيد نور الدين السمهودي ٩١١ ه في كتابه الموسوم «وفاء الوفاء ٢: ٤١٢» بعد ذكر أحاديث الباب: «و أمّا الاجماع، فأجمع العلماء على استحباب زيارة القبور للرجال كما حكاه النووي، بل قال بعض الظاهرية بوجوبها ... و أضاف الدمنهوري الكبير- و هو من كبار المتأخرين- إلى ذلك: قبور الأولياء و الصالحين و الشهداء» و به قال الحافظ أبو العباس القسطاني المصري ٩٢٣ ه في كتابه «المواهب اللدنية» في الفصل الثاني منه، و كذا الشربيني محمد الخطيب ٩٧٧ ه في كتابه «مغني المحتاج ١: ٣٥٧».
[٢]. أخرج الرواية البخاري في صحيحه ١: ٣٩٨ كتاب صفة الصلاة ب ١٤ من أبواب التطوّع حديث ١١٣٢ و ص ٤٠٠ ب ١٩ ح ١١٣٩، و مسلم في صحيحه ٢: ١٠١٤ كتاب الحج ب ٩٥ ح ١٣٩٧ كلاهما عن أبي هريرة، و الترمذي في سننه ٢: ١٤٨ ب ٢٤٢ من أبواب الصلاة ح ٣٢٦ عن أبي سعيد الخدري.