أهل البيت في مصر - عدة من الباحثين و المفكرين المصريين - الصفحة ١٤٤ - الإمام الحسين
كلّها ينشد الحقّ و يسعى إليه، و يكره الباطل و يحاربه.
و هذا ما يفسّر موقفه بعد ذلك عند ما قرّر أن يتصدّى لظلم بني أمية، و الوقوف في وجه يزيد، و استشهد في سبيل المبدأ. و لو أراد أن يعيش في ترف من العيش، و في رغد من المال، لاستطاع، و لأعطاه الحكم الأموي ما يريد على ألّا يقف في طريقهم، و يفنّد أكاذيب حكمهم الذي ابتعد عن الحكم الذي انتهجه الراشدون من الخلفاء.
لو أراد ذلك ما كلّفه ذلك إلّا الصمت عن الخوض في سياسة الدولة الأموية المتمثّلة في يزيد بن معاوية، و لكنّه رفض أن يرى الظلم و يسكت ... و رفض أن يرى الباطل يرتفع له لواء و يصمت ... و رفض أن يرى الحكم بالكتاب و السنّة قد خفت ثم يلوذ بالصمت ... و رفض أن يشاهد المظالم على أشدّها، و أموال المسلمين تغدق بلا حساب على الأعوان و طلّاب السلطة، و المتحلّقين لها يبغون السلطان و يضع يده في أذنيه.
لقد قرّر أن يقوم بثورة ... أن يغيّر من الصورة القاتمة التي عشّشت على العالم الإسلامي في فترة حكم يزيد بن معاوية.
هل كان يعرف أنّه يستطيع أن يتغلّب على الدولة الأموية في أوج قوّتها و عنفوان سلطانها؟ و هل حسب أنّ بقدرته أن يقضي على دولة لها جيوشها القوية، و يدها المتمكّنة من أعناق الناس، و لها سطوة الحكم، و جبروت السلطة؟
هل كان اندفاع من الإمام الحسين أن يذهب ليحارب قوى عاتية تملك السلاح و الرجال، و يخرّ تحت أقدامها طلّاب النفوذ و الجاه و المال؟ و هل كان يتصوّر أن ينتصر و سيوف الناس معهم حتّى و لو كانت قلوبهم معه؟ أم أنّ الأقدار قد كتبت عليه أن يكون دمه الشريف نقطة تحوّل في التاريخ الإسلامي كلّه؟
فإنّ دم الإمام الحسين لم يضع عبثا، فقد انهارت الدولة الأموية بعد أقلّ من قرن واحد، و لتظلّ بعد ذلك العبرة بأنّ الحقّ دائما يعلو في النهاية مهما كانت أشواك الطريق.
إنّ النظر إلى موقف الإمام الحسين من خلال النظرة إلى الحوادث التي تمرّ بدنيا