أحكام المتاجر المحرمة - كاشف الغطاء، الشيخ مهدي - الصفحة ١٥ - أقسام التجارة
المكلف يتخيَّر حينئذٍ في فعل أي المستحبين، فيكون كل منهما متساوي الفعل و الترك حينئذ و إن كان راجحا في نفسه.
و فيه أنه خلاف ظاهر لفظ المباح و خلاف ظاهر الأصحاب، فحملُ المباحِ عليه في كلام الاصحاب مما لا معنى له، فالاولى في توجيه ذلك أنْ يقال: إنَّ نظر من ثلّث القسمة الى الاحكام الناشئة من نفس الموضوع. و لا إشكال و لا ريب ان التجارة المستحبة على ما في الاخبار هي البيع و الشراء و التكسب من غير دخل للتكسب بعين خاصة كالقماش و الحبوب و البقول و نحوها؛ لأٰنّ مناط الاستحباب هو عدم سؤال الناس و فتح باب الحاجة اليهم و القاء المؤنة عليهم، و هذا مما لا يختلف الحال فيه بين التكسب بالحنطة و الشعير أو القماش أو البقول أو غيرها. فالتكسب بالعين الخاصة مباح و إن كان التكسب- من حيث هو- مستحباً. و حيث كان نظر من ثلّث القسمة الى الأحكام الناشئة من نفس الموضوع، فلا شك في كون التكسب بغير الحنطة مباحا. فعدُّ المباح من اقسام التجارة من حيث هذه الحيثية مما لا بأس به فتبصّر.
على أنه يمكن أن يقال إن المتبادر من الأدلة الدالة على مستحبات التجارة هو القدر الذي يحصل به التوسعة على العيال، و يسد به باب الحاجة عن الناس و يستعين به على المستحبات و وجوه الخيرات و المبرّات، و هذا لا يستلزم انتفاء المباح إذ يمكن فرض التجارة على نحو لا يحصل به شيء من ذلك كشراء شيء لا يحتاج اليه الانسان، و انما شراؤه لمجرد التشهّي، و لا ريب أن هذه من المباحات بمقتضى الاطلاقات و العمومات و لا يدخل في عمومات استحباب التجارة و اطلاقاته. و على هذا تكون التجارة من المباحات ذاتاً.
و كيف كان، فإن قلنا باستحباب التجارة ذاتا فمكروها كمكروه العبادة، بمعنى اقلية الثواب و نحوه من معاني مكروه العبادة، و اطلاق المكروه عليه خلاف المصطلح كما لا يخفى. و إن قلنا بعدم استحبابها ذاتا فمكروهها كمكروه العبادات على نحو سائر المكروهات، ثمّ اعلمْ انه قد صرح المحقق الثاني [١] و الشهيد الثاني [٢] بأن البحث للفقيه
[١] المحقق الكركي، جامع المقاصد، ٤/ ٦.
[٢] الشهيد الثاني، مسالك الافهام، ٤/ ٦.