المولد النبوي الشريف - الهواري، صلاح الدين - الصفحة ١٩٠ - و هذه قصيدة تقال وقت ذكر القيام
و لمّا شرع ملك الموت في قبض روحه الزّكيّة* أخذ جبينه في العرق من شدّة الآلام* فقال باسم اللّه بأعلى فصاحة لسانيّة* و ثنّى بالحمد للّه لأنّه قادم على أجلّ و أعزّ مقام* و لمّا نزلت به الغمرات و أخذته السّكرات [١] الكربيّة* فقالت فاطمة رضي اللّه عنها: و اكرب أبتاه* فقال لها (عليه السلام): لا كرب على أبيك بعد اليوم هكذا رواه البخاريّ القدوة الإمام* و كان فوق رأسه قدح فيه ماء فكان يأخذ منه بيده الشّريفة و يمسح جبهته الوضيئيّة* و هو يتألّم ممّا حلّ به من الخطوب العظام* ثمّ جعل يقول: اللّهمّ الرّفيق الأعلى* فهو آخر كلام قاله في هذه الدّار الدّنيويّة* إلى أن انقضى ما كان و كلّ من عليها فان و يبقى وجه ربّك ذو الجلال و الإكرام* و ذلك في يوم الإثنين فحلّ بالمسلمين ما حلّ من الكربات التي تعجز الأقلام عن أن تضبط لها كيفيّة* و ماج [٢] النّاس بعضهم في بعض فمنهم من غاب و منهم من أغمي عليه و منهم من أخرس و منهم من أقعد فلم يستطع القيام* و كان أجزع النّاس كلّهم عمر بن الخطّاب فأخذ بقائم سيفه و قال: لا أسمع أحدا يقول مات رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) إلّا ضربته بسيفي هذا فيا لها من مصيبة و كربة و بليّة* رشقت نبالها بصميم أفئدة أهل الإسلام* فطلب النّاس أبا بكر رضي اللّه تعالى عنه و كان غائبا فأقبل و عيناه تهملان و زفراته تتردّد و قد ثبّته اللّه تعالى و كم للّه من عناية ربّانيّة. فدخل على النّبيّ ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) فأكبّ عليه و كشف الثّوب عن وجهه و قبّله و قال طبت حيّا و ميّتا و انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء قبلك و جلّ مقامك عن أن تدركه الأفهام* ثمّ
[١] سكرات الموت: شدائده.
[٢] ماج القوم: اختلفت أمورهم و اضطربت.