المولد النبوي الشريف - الهواري، صلاح الدين - الصفحة ٢٤٥ - وطن النبيّ و عشيرته
بمكّة المجاعة نحر الذّبائح و هشم الثّريد، و أطعم القريب و البعيد* و هو أوّل من الف قريشا رحلة الشّتاء إلى اليمن الخضراء، و رحلة الصّيف إلى الشّام و ما وراء الشّام* و أدركت رحمة اللّه هذا الزّعيم الأمين، بمدينة غزّة من أرض فلسطين، فنهض بأمر مكّة من بعده أخوه المطّلب، فأقام بها ما أقام حتّى وافاه الحمام* فاضطلع بالأمر من بعده حمّال العظائم، و بذّال المكارم، عبد المطّلب بن هاشم*
و كان عبد المطّلب أقوم العرب جسما، و أوفرها حلما، و أنداها كفّا، و أدناها من الكمال، و أبعدها عن كلّ موبقة [١] تفسد الرّجال*
و كان أشبه بأبيه في شرفه و عفّته، و عزّته و رفعته، و سياسته و رئاسته، و وفادته و رفادته و حكمه و حكمته* و كانت قريش تعوذ برأيه في الملمّات، و تلوذ بجاهه في المشكلات* و قد فرّج عنها مواطن أطبق فيها البلاء، و أحدقت بها البأساء [٢]*
و من أيمن مآثر عبد المطّلب حفر زمزم المطهّرة بعد أن درجات عليها السّنون، فأخفت أثرها عن العيون، و حجبت خبرها عن الظّنون، و لم يعلم أحد من قريش أين تكون* فهدى اللّه هذا الزّعيم الحكيم، إلى موضعها من الأرض، فنهض إليه و معه ابنه الحارث، فما زالا بها حتّى فاض الماء فكبّر الرّجلان، و عادت زمزم المقدّسة تحمل الخير العظيم، و تذيع الفيض العميم، تمهيدا لعهد النّبيّ الكريم، عليه أفضل الصّلاة و أمثل التّسليم، كما حملته في العهد القديم، لإسماعيل بن إبراهيم*
[١] الموبقة: المعصية الكبيرة، لأنها مهلكة، لقولهم: أوبقهم: أهلكهم.
[٢] البأساء: المشقّة، أو الفقر، أو الداهية.