المولد النبوي الشريف - الهواري، صلاح الدين - الصفحة ٢٦٠ - الرضاع
الرضاع
كانت شريفات مكّة لا يرضعن أولادهنّ* بل يسلمنهم إلى المراضع من نساء البادية* و إنّما آثرن هؤلاء لأنّهنّ أسلم أجساما* و أرجح أحلاما [١]* و أفصح كلاما* و أطبع للطّفل على النّفس الأبيّة* و الشّمائل العربيّة* و كان مراضع البادية يفدن جماعات* يلتمسن أبناء السّادات*
و بعد أيّام من مولده الشّريف* وفد إلى مكّة وفد المراضع من بني سعد بن بكر* و بنو سعد من أفصح العرب و أصرحها [٢]* و أصفاها و أوضحها* و قريش تعدّ هذا الحيّ من أصلح المعاهد لتقويم الأبدان* و رياضة الأذهان* و قد اثر اللّه بسيّد الكائنات إحدى هؤلاء الوافدات* و هي حليمة بنت أبي ذؤيب السّعديّة* و كانت حليمة في جهد شديد* ذهب بالطّارف و التّليد [٣]* و كان ثديها يابسا من الجوع* و كان ولدها قليل الهجوع [٤]* غزير الدّموع* ما في ثديها ما يغنيه و ما في ناقتها ما يرويه* فلمّا رأت وجه رسول اللّه و أقبلت عليه ترضعه درّ ثديها
[١] الرجاحة: الرزانة، و اكتمال العقل، و سداد الرأي.
[٢] الصريح: الخالص، الواضح.
[٣] الطارف: المال الحديث المكتسب. التليد و التالد و التلاد: المال الموروث.
[٤] الهجوع: النوم.