المولد النبوي الشريف - الهواري، صلاح الدين - الصفحة ١٤٩ - عتاب
ثمّ أمر بحفر زمزم في المنام* فلمّا أصبح قصدها بهمّة عزميّة [١]* فمنعته قريش عنها و واصلوا بينهم و بينه حبل الخصام* فتوجّهوا جميعا إلى من يفصل بينهم في هذه القضيّة* فأصابهم في طريقهم ظمأ شديد حتى أشرفوا على الهلاك في الجبال و الاكام* فتفرّقت القبائل في طلب الماء فركب عبد المطّلب ناقته و انبعث فنبعت من تحت خفّها عين ماء زلاليّة* فدعا القبائل فشربوا جميعا و شهدوا له بالصّلاح القويّ التّام* ثمّ تسامحوا على المصالحة بإخلاص النّية* و رجعوا إلى مكّة و أمروا عبد المطّلب بحفر زمزم فقال: لو رزقني اللّه عشرة أولاد لأبادرن منهم بذبح غلام* ثمّ حفر زمزم حتى بيّن منها عينها المائيّة* و انشرح صدره لذلك و أمست أعداؤه في ذلّ و إرغام [٢]* فلمّا كملت أولاده عشرة أمر بوفاء نذره في النّوم فلمّا أصبح ذبح شاة و أطعمها للفقراء الحرميّة* فقيل له: ليس هذا المراد. فلمّا أصبح ذبح بعيرا و أطعمه للفقراء و المساكين و الأيتام فقيل له ليس هذا المراد فقال: و ما المراد؟ قيل:
أن تذبح واحدا من المهج القلبيّة* فلمّا أصبح قصّ على أولاده ما وقع له في المنام* فقالوا له: نحن لك مطيعون و لأمرك سامعون افعل ما شئت يا ذا الشّيبة الحمديّة* فقال اقترعوا [٣]: فلما اقترعوا كتبوا أسماءهم على السّهام* فجيء بقيّم و طرح السّهام فخرج السّهم على عبد اللّه فقبض عليه و أخذ بيده مدية قويّة* فحالت قريش بين
[١] عزمية: منسوبة إلى العزم، و هو الصّبر و الجدّ.
[٢] الإرغام: الإكراه و الإذلال.
[٣] اقترعوا على شيء: ضربوا قرعة، و هي النصيب، يقال: كانت له القرعة: إذا قارع أصحابه، أي غلبهم فيها.