المولد النبوي الشريف - الهواري، صلاح الدين - الصفحة ٢٧٠ - الرسالة
الرسالة
الآن و قد بلغ النّبيّ الأمين* تمام الأربعين* فقد اصطفاه اللّه لهداية العالمين* و آثره بإذاعة الحقّ المبين* في النّاس أجمعين* و أوّل ما كان من لوائح النّبوّة أنّ اللّه أمدّ سيّد الأنام* بصدق الخاطر و الحسّ و الإلهام* في اليقظة و المنام* فكان لا يشعر بشيء من خاطر أو وجدان* إلّا أسفر عنه العيان* و كان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل أوضاح الصّباح. و حبّب إليه الانفراد عن العباد و كان يتردّد على غار حراء* فيقطع رمضان كلّه بالسّجود و الهجود [١]* حتّى إذا انتهى قصد إلى البيت الحرام* ثمّ غدا إلى داره محفوفا برعاية اللّه و جميل رضاه* و لمّا كان رمضان الّذي أراد اللّه فيه ما أراد* من إسعاد العباد* ذهب إلى حراء و بينما هو في إحدى لياليه [٢]* جاءه جبريل على مثال لم يألفه في حقيقة أو خيال* فقال للرّسول: اقرأ! قال ما أنا بقارئ* فغطّه [٣] حتّى ظنّه الموت* ثمّ قال: اقرأ! فقال ما أنا
[١] الهجود: الصلاة باللّيل.
[٢] كان نزول الوحي على رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) يوم الإثنين لسبع عشرة خلت من رمضان، و في مثل هذا التاريخ كانت موقعة بدر، و إلى هذا يشير القرآن الكريم بقوله: وَ ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [سورة الأنفال، الآية: ٤١]. يوم الفرقان: يوم نزول الوحي، و يوم التقاء الجمعين هو يوم بدر.
[٣] غطّ الشيء: كبسه و عصره عصرا شديدا.