المولد النبوي الشريف - الهواري، صلاح الدين - الصفحة ٢٥٦ - ليلة الميلاد
و كانت نعمتك في هذه اللّحظة الفاصلة الفاضلة* سابغة [١] على العباد و البلاد* لم تخصّ بها قوما دون قوم* و لم تؤثر بها يوما دون يوم* بل شملت بها السّنيّ و الدّنيّ* و حففت بها الفقير و الغنيّ* و أغدقتها [٢] على الأبيض و الأسمر* و أسبغتها على الأصفر و الأحمر* و أسبلتها [٣] على الخلق أجمعين إلى يوم الدّين*
لقد أذنت للعالم في هذه اللّحظة الزّهراء أن يستنير بعد الضّلالة* و أن يهتدي بعد الجهالة* و أن يتحابّ بعد العدوان* و أن يتاخى بعد الطّغيان* و أن يعبد اللّه* لا يشرك به سواه* و بهذا التّوحيد وحّد حقوق الإنسان في كلّ مكان*
و كان بدء مخاض آمنة المصونة المأمونة حين ابتسم السّحر من ليلة الإثنين* و كان المخاض على ما عوّدها اللّه من التّيسير هيّنا ليّنا لا يحتاج إلى مؤونة أو معونة* إلّا رعاية اللّه الّتي أحاطت بها في ساعاتها كلّها* فما أسفر الفجر حتّى استهلّ نور بدر الوجود* و سيّد كلّ مولود*
و لقد جمّله اللّه و طهّره* و كمّله فيما صوّره* فأخرجه طيّبا طهورا* مختونا مسرورا* يسطع النّور الملكيّ من وجهه الزّكيّ* و حين أشرق نوره العميم أرسلت آمنة إلى جدّه الكريم* فجاءه البشير و هو في حجر البيت العظيم* فلمّا وافته البشرى تهلّل وجهه بالبشر* و سار هو و من
[١] السابغة: التامة.
[٢] أغدق المطر: كثر قطره، و أغدقت العين: فاضت و كثر ماؤها.
[٣] أسبل الماء أو الدمع: أساله.