المولد النبوي الشريف - الهواري، صلاح الدين - الصفحة ١٧١ - و هذه قصيدة تقال وقت ذكر القيام
من العمر ثمانية أعوام* و لمّا انقضت من جدّه عبد المطّلب أيّام عمره الدّنيويّة* و نزل به ريب المنون [١] و تولّى أمره الملك العلّام* تكفّل بتربيته عمّه أبو طالب شقيق أبيه عبد اللّه أرحاما و صلبيّة* و ذلك بوصيّة من جدّه عبد المطّلب قبل أن ينزل به ركب الحمام* فجعله في حيّه و ربّاه أحسن التّربية* إلى أن بلغ من العمر عشر سنين. و بعد عامين توجّه به مسافرا إلى الشّام* فرءاه بحيرا الرّاهب فعرفه بالعلامات النّبويّة* التي يعجز عن وصفها كلّ حبر [٢] خبير من ذوي الأفهام* فرأى الأشجار سجدت و الأحجار سلّمت و غمامة بيضاء قد أظلّته في الأوقات الهجيريّة [٣]* فدعاه لضيافته و إكرام من معه من الأقوام* ثم وقف لتفقّد الدّاخلين فلم يجد فيهم من له العلامات المعلوميّة* فقال هل بقي أحد منكم يا ذوي الأحلام* فقالوا بقي غلام يتيم تركناه للحراسة عند أمتعتنا الأحماليّة* فقال لا تتمّ ضيافتنا إلّا بوجوده يا ذوي الإكرام* ثمّ خرج إليه و قبّل الأرض بين يديه و قال له: يا حبيبي اذهب بنا إلى أماكن ديرنا المبنيّة* فلا تتمّ ضيافتنا إلّا بوجودك يا خير الأنام* و يقال لمّا دخل ( صلّى اللّه عليه و سلّم ) اخضرّت الشجرة بدير الرّاهب و صحّ أنّه ارتفع الباب لئلّا تنحني قامته الطّويلة الحسنيّة* و قيل: خرج إليه رجل منهم و احتضنه و جاء به فلمّا رآه داخلا نهض له قائما على الأقدام* و قال: أشهد أنّ هذا الّذي يفتح اللّه ببركته مصر و الشّام و المدائن العراقيّة* أشهد أنّ هذا رسول ربّ العالمين و خير الأنام* أشهد أنّ هذا الذي دلّت الكتاب
[١] ريب المنون: حوادث الدهر. و الريب: صرف الدهر، و المنون: الموت.
[٢] الحبر: العالم الفطن.
[٣] الهجير: وقت اشتداد الحرّ من النهار.