العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٨٢ - مقدمه مصنف
و بتقدير أن لا تكون كنانة انتقلت مع قصى إلى الحرم: فهم على منازلهم التى كانوا ينزلونها مع قريش، قبل أن تنتقل قريش عنهم إلى الحرم. و لم يرد خبر بخروج كنانة عن منازلهم ببادية مكة. و اللّه أعلم.
و من ذلك: قول ابن إسحاق فى سيرته- تهذيب ابن هشام- فى خبر الأصنام:
«و كانت لقريش، و بنى كنانة: العزى بنخلة». انتهى.
و وجه الدلالة من هذا: أن إضافة «العزى» لقريش و كنانة: تقتضى أن لهم بها اختصاصا. و ذلك- و اللّه أعلم- لكونها بنخلة، و هى من بادية مكة التى ينزلون فيها.
و لا يقال: إضافة «العزى» لقريش و كنانة: لأجل أنهم أول من وضعها، و لا لأجل أنهم انفردوا بعبادتها و تعظيمها، و لا لأجل أنهم حجابها.
أما الأول: فلأن عمر بن لحىّ: هو الذى اتخذ العزى.
و أما الثانى: فلأن جميع مضر كانوا يعظمون العزى.
و أما الثالث: فلأن حجابها بنو شيبان من سليم.
و قد روينا عن ابن إسحاق ما يدل لذلك فى تاريخ الأزرقى، و لفظه: حدثنى جدى، قال: حدثنا سعيد بن سليم عن عثمان بن ساج، قال: أخبرنا ابن إسحاق «أن عمرو بن لحى اتخذ العزى بنخلة. و كانوا إذا فرغوا من حجهم و طوافهم بالكعبة: لم يحلوا حتى يأتوا العزى، فيطوفوا بها، و يحلون عندها، و يعتكفون عندها يوما و ليلة. و كانت لخزاعة، و كانت قريش و بنو كنانة كلها تعظم العزى مع خزاعة، و جميع مضر. و كان سدنتها- الذين يحجبونها- بنى شيبان من بنى سليم، حلفاء بنى هاشم». انتهى.
و إذا لم يكن إضافة «العزى» لقريش و كنانة لأجل هذه الأمور الثلاثة: صح ما ذكرناه، من أن إضافتها لهم باعتبار كونها فى دارهم. و اللّه أعلم.
و لا يعارض ذلك قوله فى هذا الخبر «و كانت لخزاعة» لأن إضافتها لخزاعة لكونها فى دارهم، فإن خزاعة تشارك قريشا فى الدار. على ما سيأتى بيانه إن شاء اللّه.
و من ذلك: قوله فى خبر قصى- الذى سبق ذكره قريبا من كتاب الفاكهى-:
«فأصبح بهم فى الحرم حول البيت، فمشت إليه أشراف كنانة، و قالوا: إن هذا عند العرب عظيم». انتهى.
و وجه الدلالة فى هذا: أنه يقتضى أن أشراف كنانة مشوا إلى قصى بإثر إصباحه بقومه فى الحرم. و ذلك يدل على قرب كنانة من الحرم. و اللّه أعلم.