العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٩١ - *** فصل فى حجة الرسول
ربه عز و جل- أن يقول فى حجته: «هذه حجّة فى عمرة» [١] و معنى هذا أن اللّه- سبحانه- أمره أن يقرن [٢] الحجّ مع العمرة فأصبح- (صلى اللّه عليه و سلم)- فأخبر الناس بذلك؛ و طاف على نسائه يومئذ [٣] بغسل واحد- و هن تسع و قيل إحدى عشرة- ثم اغتسل و صلى عند المسجد ركعتين، و أهل بحجّة و عمرة معا.
هذا الذى رواه بلفظه و معناه عنه- (صلى اللّه عليه و سلم)- ستة عشر صحابيا، منهم: خادمه أنس ابن مالك- رضى اللّه عنه- و قد رواه عنه- (صلى اللّه عليه و سلم)- ستة عشر تابعيا، و قد ذكرتهم فى كتاب «شارع النجاة»، و هذا صريح لا يحتمل التأويل إلا أن يكون بعيدا، و ما عدا ذلك مما جاء من الأحاديث الموهمة التمتّع [٤]، أو ما يدل على الإفراد [٥] فليس هذا محل ذكرها.
و القران فى الحج هو مذهب إمامنا أبى عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعى- (رحمه اللّه تعالى)- و قد نصره جماعة من محققى أصحابه، و هو الذى يحصل به الجمع بين الأحاديث كلها [٦] و من العلماء من أوجبه و ممن قال بأفضليته الإمام أبو حنيفة النعمان
[١] عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو بوادى العقيق يقول: «أتانى الليلة آت من ربى، فقال: صلى فى هذا الوادى المبارك، و قل عمرة فى حجة». رواه أحمد و البخارى و ابن ماجة و أبو داود، و فى رواية البخارى: «و قل عمرة و حجة». انظر: زاد المعاد ٢/ ١١٦، ١٥٢.
[٢] القران: هو الإهلال بالحج و العمرة معا و هو متفق على جوازه، أو الإهلال بالعمرة ثم يدخل عليها الحج أو عكسه و هذا مختلف فيه.
[٣] أخرجه البخارى ١/ ٣٢٧، و مسلم (١١٩٢) (٤٨) من حديث عائشة. انظر: زاد المعاد ٢/ ١٠٦.
[٤] التمتع: هو الاعتمار فى أشهر الحج ثم التحلل من تلك العمرة و الإهلال بالحج فى تلك السنة و يطلق التمتع فى عرف السلف على القران. قال ابن عبد البر: و من التمتع- أيضا- القران و من التمتع- أيضا- فسخ الحج إلى العمرة. انتهى. و قد أجاب ابن القيم فى زاد المعاد عن أعذار الذين وهموا فى صفة حجته عن ذلك، فليراجع ٢/ ١٣١ و ما بعدها.
[٥] الإفراد: هو الإهلال بالحج وحده و الاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء و لا خلاف فى جوازه. و قد أجاب ابن القيم عن ذلك أيضا فليراجع فى زاد المعاد ٢/ ١٢٧ و ما بعدها.
[٦] اختلفت الأنظار و اضطربت الأقوال لاختلاف هذه الأحاديث فمن أهل العلم من جمع بين الروايات كالخطابى الذى رجح أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أفرد الحج. و كذا قال عياض، و زاد فقال: و أما إحرامه فقد تضافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفردا و أما روايات من روى التمتع فمعناه أنه أمر به؛ لأنه صرح بقوله: «و لو لا أن معى الهدى لأحللت» فصح أنه لم يتحلل. و أما رواية من روى القران فهو إخبار عن آخر أحواله؛ لأنه أدخل العمرة على الحج لما جاء إلى الوادى، و قيل: قل-