العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٠٥ - أبو جعفر المنصور
قدمنا لشتم أحد و لا للعنه، قدمنا حجاجا؛ ثم قطع كلامه، و أقبل علىّ فسألنى عن الحج، فأخبرته بما كتبت له»، قال: «و شق على سعيد أنى سمعته تكلم بذلك، فكان منكسرا كلما رآنى».
و كلم إبراهيم بن محمد بن طلحة هشاما و هو فى الحجر بمكة، فقال له: «أسألك باللّه و بحرمة هذا البيت الذى خرجت معظما له إلا رددت علىّ ظلامتى؟»؛ قال: «أى ظلامة؟»، قال: «دارى» قال: «فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟»، قال:
«ظلمنى»، قال: فالوليد و سليمان؟»، قال: «ظلمانى»، قال: «فعمر؟»، قال: «ي(رحمه اللّه)، ردها علىّ»، قال: «فيزيد بن عبد الملك؟»، قال: «ظلمنى و قبضها منى بعد قبضى لها، و هى فى يدك»، قال هشام: «لو كان فيك ضرب لضربتك»، فقال: «فىّ و اللّه ضرب بالسيف و السوط»؛ فانصرف هشام، و قال لمن معه: «كيف سمعت هذا اللسان؟»، قال:
«ما أجوده!»، قال: «هى قريش و ألسنتها، و لا يزال فى الناس بقايا، ما رأيت مثل هذا».
و لم يحج بعد هشام أحد من بنى أمية و هو خليفة. و اللّه المعين الهادى إلى طريق الرشاد.
*** ثم كانت دولة بنى العباس
و أول من حج منهم و هو خليفة:
أبو جعفر المنصور [١]
و اسمه: عبد اللّه بن محمد بن على بن عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب، أمير المؤمنين العباسى الهاشمى، بويع له بعد موت أخيه أبى العباس السفاح عبد اللّه- و هو بطريق مكة- سنة ست و ثلاثين و مائة، فقدم الكوفة.
ثم حج فى سنة أربعين و مائة، فأحرم من الحيرة، و لما قضى حجه توجه إلى بيت المقدس، و سار منها إلى الرقة، و مضى إلى هاشمية الكوفة.
و حج ثانيا سنة أربع و أربعين و مائة؛ فلما حج بالناس و رجع لم يدخل المدينة، و مضى إلى الربذة، و أحضر بنى حسن بن على إليه فى القيود و الأغلال، فسار بهم إلى الكوفة، و عتى عتوا كبيرا فى ظلمهم.
[١] انظر: (ابن الأثير ٥، ١٧٢، ٦/ ٦، الطبرى ٩/ ٢٩٢- ٣٢٢، البدء و التاريخ ٦/ ٩٠، اليعقوبى ٣/ ١٠٠، تاريخ الخميس ٢/ ٣٢٤، ٣٢٩ المسعودى ٢/ ١٨٠- ١٦٤، تاريخ بغداد ١٠، ٢٣، ابن الساعى ١١- ٢٣، فوات الوفيات ١/ ٢٣٢).