العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١١٧ - *** و ملك بعد ثم حجّ الملك العادل نور الدين محمود
و صار ابنه عماد الدين زنكى من الأمراء ببغداد، ثم ولى الموصل سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة، و أخذ الرّها، و قتل فى جعبر [١] فى ربيع الآخر فى سنة إحدى و أربعين و خمسمائة و هو على فراشه.
و ولد نور الدين محمود فى سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة و خمسمائة، فقام بعد قتل أبيه و أخذ قلعة حلب، و جدّ فى قتال الفرنج- و بيدهم حينئذ من الرّها إلى السوادة من حدود أرض مصر، و افتتح عدة حصون، و أظهر بحلب مذهب أهل السنة- و كان أهلها من الرافضة- و أبطل الأذان «بحى على خير العمل» و أنشأ بها المدارس على مذاهب الأئمة الأربعة.
ثم ملك دمشق بعد ما أشرف الفرنج على أخذها، و ضبط أمورها، و أنشا بها المدارس و المساجد و البيمارستان، و عمّرها، و أبطل المكوس كلها، و منع المنكرات بأسرها و عاقب عليها، و استنقذ من الفرنج عدة معاقل، و بنى فى أكثر ممالكه دار العدل، و أحضر بها القضاة و الفقهاء و جلس فيها بنفسه لإزالة المظالم.
و بالغ فى الإحسان لأهل مكة و المدينة، و بعث العساكر لحفظ المدينة النبوية، و أقطع أمير مكة إقطاعا، و أقطع أمراء العربان إقطاعات لحفظ الحاج فيما بين دمشق و الحجاز، و أكمل سور المدينة النبوية، و استخرج لها العين، فدعى له بالحرمين على منبريهما.
و بعث الأمير أسد الدين شيركوه [٢] بالغز إلى مصر، و استنقذ القاهرة من الفرنج بعد ما حاصرها مرّى- لعنه اللّه- بعساكر الفرنج أياما، و لم يبق إلا أن يملكها، فلما استولى شيركوه على القاهرة دعا لنور الدين على منابر القاهرة و مصر.
و مات فى حادى عشر شوال سنة تسع و ستين و خمسمائة بدمشق بعد ما حجّ فى سنة ست و خمسين و خمسمائة، و أكثر من فعل الخير بالحرمين الشريفين، و بالغ فى الإحسان إليهم (رحمه اللّه تعالى).
***
[١] جعبر: قلعة على الفرات بين بالس و الرقة قرب صفين. انظر: معجم البلدان (٣/ ١٤٢).
[٢] انظر: (مورد اللطافة ٢٣- ٢٤، ابن خلكان ١/ ٢٢٧، ابن عساكر ٦/ ٣٠٨، ابن خلدون ٥/ ٢٨٢، ابن الأثير ١١/ ١٢٨، أعلام النبلاء ٤/ ٢٥٨، مفرج الكرب ١/ ١٤٨، الأعلام ٣/ ١٨٣).