العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٧٩ - مقدمه مصنف
أما فضائل مكة للجندى: فهو على نمط تاريخ الأزرقى و الفاكهى. و كذلك أخبار مكة لرزين العبدلى صاحب الجمع.
و إنى لأعجب من إهمال فضلاء مكة فى جمع تاريخ لها على المنوال الذى جمعته، خصوصا من الشيخ قطب الدين القسطلانى؛ لأنه جمع شيئا يتعلق بتاريخ اليمن، و لعمرى لو جمع ذلك لبلده كان أحسن، فإن الحاجة إليه داعية، و فى ذلك فوائد غير خافية، و عليه مضى الأئمة من أهل مصر، و الشام و بغداد، و غير ذلك من البلاد، كتاريخ بغداد للخطيب، و ذيوله لابن السمعانى، و ابن الدبيثى، و القطيعى، و ابن النجار، و ابن رافع و غيرهم، و تاريخ دمشق لابن عساكر، و تاريخ مصر للقطب الحلبى، و غير ذلك.
فإن قيل: لعل الحامل لمن أهمل من فضلاء مكة التأليف فى هذا المعنى المشار إليه:
تخيلهم العجز عن الوفاء بالمقصود فى هذا الأمر، لعدم الإحاطة بالمقصود.
فالجواب: أن هذا العذر حق، و لكن يلزم من اعتمده محذور، و هو أن المعلوم عندهم يصير مجهولا عند من بعدهم كما جرى، و اللائق فى هذا: إثبات المعلوم و إن قل.
و قد قيل فى ذلك: ما أنشدتناه مسندة العصر أم عبد اللّه عائشة بنت المحتسب محمد ابن عبد الهادى الصالحية- بقراءتى عليها- فى الرحلة الرابعة، عن أبى العباس أحمد بن أبى طالب الحجار- إجازة، إن لم يكن سماعا. و تفردت فى الدنيا بالسماع منه- أن أبا الحسن محمد بن عمر القطيعى أنبأنا، قال: أنشدنى على بن أحمد الواسطى المقرئ، قال:
أنشدنى أبو جعفر هبة اللّه بن السوقى، قال: أنشدنا أبو الحسن العمرانى، قال:
افعل الخير ما استطعت و إن كا* * * ن قليلا فلن تطيق لكله
و متى تفعل الكثير من الخي* * * ر إذا كنت تاركا لأقله
و أسأل من كل من وقف على هذا الكتاب: المسامحة عما فيه من التقصير، و إصلاح ما فيه من الغلط بعد التحرير. و سبب الغلط- فى الغالب- النسيان، و قد جبل عليه كل إنسان.
و سبب التقصير: ما ذكرته، من أنى لم أر مؤلفا فى المعنى الذى قصدت جمعه فأستضىء به. و إنما ظفرت من ذلك بأشياء قليلة مفرقة، بذلت فى تحصيلها جهدى لأنتفع بها، و المعاصرون لى، و من بعدى.
و بسبب إهمال التأليف فى ذلك: حصل الجهل بكثير من التراجم، و بما وقع بعد الأزرقى و الفاكهى من الأمور التى قصدا جمعها فى كتابيهما، و بكثير مما ذكراه فى كتابيهما. فلا حول و لا قوة إلا باللّه العلى العظيم.