العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٩٠ - *** فصل فى حجة الرسول
من حجّ من الخلفاء و الملوك، و سميته: «الذهب المسبوك فى ذكر من حجّ من الخلفاء و الملوك»، تذكرة للخاطر الشريف بما هو منّى أدرى، و أحق بإفادته و أحرى، و أنى- فيما فعلت و صنعت- كمن أهدى القطر إلى البحر، أو بعث النور إلى القمر، و الأرج إلى الزهر، بل كالذى أرسل الضياء إلى الشمس، و روح الحياة إلى النفس؛ غير أن فى كريم أخلاقه الزكية، و زاكى أعراقه المرضية، ما يقبل اليسير، و يتجاوز عن الخطأ و التقصير. رعى اللّه المخدوم من حيث لا يرتقب، و حرسه من حيث لا يحتسب، و كان له فى سفره خفيرا، و فى حضره عونا و نصيرا.
*** فصل فى حجة الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)
افتتحت بها هذا الجزء إذ كان (صلى اللّه عليه و سلم) هو الذى بيّن للناس معالم دينهم، و قال: «خذوا عنّى مناسككم» [١] و قد امتلأت كتب الحديث بذكر حجة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أفرد فيها الفقيه الحافظ أبو محمد بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسى مصنفا جليلا، قد اعترض عليه فى مواضع منه، أجبت عنها فى كتاب «شارع النجاة». و ملخص حجة الوداع أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لما دخل ذو القعدة تجهّز للحج، و أمر الناس بالجهاز له، و أذّن فيهم، فاجتمعوا [٢] ثم صلى الظهر- يوم الخميس لست بقين من ذى القعدة سنة عشر من الهجرة بالمدينة- أربعا [٣]، و خرج منها بمن معه من المسلمين من أهل المدينة و من تجمّع من الأعراب، و هم عشرة آلاف، بعد ما استعمل على المدينة، أبا دجانة الساعدى، و يقال: سباع بن عرفطة الغفارى، فصلى العصر- بذى الحليفة- ركعتين [٤]، و بات بها. و أتاه آت [٥] من ربه تعالى فى ذلك الموضع- و هو وادى العقيق [٦]- و أمره- عن
[١] أخرجه أحمد و مسلم و النسائى من حديث جابر. انظر: نيل الأوطار ٥/ ٦٥.
[٢] انظر: زاد المعاد ٢/ ١٠٢.
[٣] روى عن أنس بن مالك قال: صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و نحن معه الظهر بالمدينة أربعا و العصر بذى الحليفة ركعتين. و رواه أحمد و البخارى و مسلم و أبو داود و النسائى. انظر: البداية ٥/ ١٠١، ١٠٢، زاد المعاد ٢/ ١٠٦.
[٤] انظر: زاد المعاد ٢/ ١٠٦.
[٥] هو جبريل كما فى الفتح. انظر: البداية و النهاية ٥/ ١٠٦، نيل الأوطار ٤/ ٣١٥
[٦] وادى العقيق: هو بقرب العقيق بينه و بين المدينة أربعة أميال، و روى الزبير بن بكار فى أخبار المدينة: أن تبعا لما انحدر فى مكان عند رجوعه من المدينة. قال: هذا عقيق الأرض فسمى العقيق.