العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ١٨١ - مقدمه مصنف
و وجه الدلالة من هذا الكلام: أنه يقتضى أن قريشا كانوا نزولا مع قومهم من كنانة، حين انفراد غبشان من خزاعة بولاية الكعبة، و المنازل التى كانت تنزل بها كنانة و قريش إذ ذاك: خارج الحرم؛ لأن أول عربى نزل الحرم بقومه: هو قصى بن كلاب، على ما ذكره الفاكهى فى خبر قصى؛ لأنه قال:
و حدثنا الزبير بن أبى بكر قال: قال أبو الحسن الأثرم، قال أبو عبيدة، قال محمد بن حفص: «قدم رزاح، و قد نفى قصى خزاعة. و قال بعض مشيخة قريش: و إن مكة لم يكن بها بيت فى الحرم، إنما كانوا يكونون بها، حتى إذا أمسوا خرجوا لا يستحلون أن يصيبوا فيها جنابة، و لم يكن بها بيت قائم، فلما جمع قصى قريشا- و كان أدهى من رؤى من العرب- قال لهم: أرى أن تصحبوا بأجمعكم فى الحرم حول البيت، فو اللّه لا تستحل العرب قتالكم، و لا يستطيعون إخراجكم منه، و تسكنونه، فتسودوا العرب أبدا.
فقالوا له: أنت سيدنا، رأينا لرأيناك تبع. فجمعهم، ثم أصبح بهم فى الحرم حول البيت، فمشت إليه أشراف كنانة، و قالوا: إن هذا عند العرب عظيم، و لو تركناك ما تركتك العرب. فقال: «و اللّه لا أخرج منه. و ثبت». انتهى.
و من ذلك: قوله بعد ذلك- بعد أن ذكر ما رأى قصى- من أنه أولى بالكعبة، و بأمر مكة من خزاعة و بنى بكر-: «فكلم رجالا من قريش و بنى كنانة و دعاهم إلى إخراج خزاعة و بنى بكر من مكة. فأجابوه».
و وجه الدلالة من هذا: أن كلام قصى لكنانة، فيما طلب، و إجابتهم له: يقتضى قربهم منه فى الدار. و سيأتى إن شاء اللّه تعالى ما يوافق ذلك.
و من ذلك: قول ابن إسحاق فى خبر قصى «فولى قصى البيت و أمر مكة، و جمع قومه من منازلهم إلى مكة». انتهى.
و وجه الدلالة من هذا: أنه يقتضى أن قصيا جمع قومه إلى مكة، و كنانة من قومه، فيكونون ممن جمعهم إلى مكة.
و لا يعارض ذلك قوله- فى الخبر الذى ذكره الزبير «فمشت إليه أشراف كنانة، و قالوا: هذا عند العرب عظيم»- لإمكان أن يكونوا قالوا له ذلك ليرجع عن فعله، لكونهم لا يألفونه. فلما رأوه لم يرجع و ثبت: سكنوا معه فيه، لما فى ذلك من تحصنهم، و بقاء الألفة بينهم و بينه، لما يخشونه من حصول ضرر بهم فى المفارقة فى افتراقهم عنه.
و اللّه أعلم.