الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٦٨٣ - باب صفة الجنّة
- قال الراوي: فاستدللت على جهله و تعصبه إذ لم يكن في الهيئة كفر و انّما هي طريق إلى الإيمان و معرفة قدرة اللّه عزّ و جلّ فيما أحكمه و دبره. أقول: لم يكن ذلك عن تعصب و جهل بل كان سياسة و تدبيرا للملك و أرادوا به استيصال كل من يتهم بولاء خلفاء مصر، و الداهية الدهياء التي أشار إليها هي خروج بعض البلاد من يدهم و لما استولى السلطان صلاح الدين الأيوبي على آخر خلفائهم منع الناس من الفلسفة و علوم الأوائل و هو الذي أمر بقتل الشيخ شهاب الدين السهروردي في الشام، و كان بنو العباس قبل ظهور دولة الفاطميين و اعتلاء أمرهم يروجون العلوم العقليّة و يبذلون أموالا عظيمة للمترجمين و الباحثين و لبناء الأرصاد و غيرها فلما ظهرت تلك الدولة و مالت إليهم أهواء عكسوا الأمر و بقيت المضادة و سرت بعد ذلك إلى الأمة و لم يكن بعضهم منحصرا في الثلاثة التي ذكرها الغزالي بل أهل الدين في تلك الأعصار و بعدها إلى مئات من السنين كانوا يبغضون جميع العلوم العقليّة حتّى الهندسة و الهيئة و يخطئون أصحابها حتّى في المحسوسات و ان لم يكفروهم فلا أقل كانوا يحكمون بضلالهم و خطائهم.
و رأيت في مصنّفات جلال الدين السيوطي كثيرا من أمثال ذلك حتّى أنّه خطأ من زعم أن الكسوف و الخسوف للحيلولة و ان الكسوف لا يتفق إلّا آخر الشهر عند الاجتماع و ان الرياح تزجي السحاب و ان المطر و السحاب من البخار المتصاعد، و رأيت في بعض كتب القوم من يضلل أهل الهيئة في قولهم بأن نور القمر من الشمس و اختلاف تشكلاتها لاختلاف وضعه معها و ان الأرض كرة و غير ذلك، و أظن أن الكفر و الإلحاد و الغرض السياسي و العلوم العقليّة تصاحبت اتفاقا في أواخر عصر خلفاء بني العباس من غير أن يكون تلك العلوم أنفسها كفرا كما أن في عصرنا غلب على جماعة المتفرنجة تعلم العلوم العصرية و الإلحاد و بغض الأنبياء و خدمة النصارى في سياستهم من غير أن يكون نفس تلك العلوم إلحادا لكن جمعوا للمتعلمين دروسا بعضها في الرياضي و بعضها في الطبيعي و يتخلل أثناء مباحثهم ما لا يرتبط بتلك العلوم من مباني الإلحاد و الكفر و بغض العرب و مفاخر سلاطين الجاهلية كالفراعنة في مصر و النماردة في العراق و غيرهم في غيرهما فيربون الشبان على بغض المسلمين ليكونوا أطوع للنصارى و أقبل-