الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٠٨ - عدالة الشاهد
- الكبائر مثلا فليس مقصودة أنّ من اجنتب عنها اتّفاقا أو لقرب عهده بالبلوغ و عدم تنبّهه للمعاصي مع عدم حصول ملكة راسخة فيه يكون عادلا و كذلك من لم يذكر المروّة في صفات العادل ليس مقصوده أنّ كلّ سفيه لا يعرف الحسن القبح أو بذيّ وقيح لا يلتزم لاجتناب القبائح فهو عادل يصحّ الصّلاة خلفه و الدّليل على صحّة هذا التّعريف تتبّع موارد الاستعمال كسائر اللّغات و الاصطلاحات، كما أنّ علماء المعاني و البيان بعد تتبّع موارد استعمال الفصيح و البليغ عرّفوا أنّ النّاس لا يطلقون هاتين الكلمتين إلّا على من له ملكة الإتيان بالكلام الخالي عن التّنافر و التّعقيد و ضعف التّأليف المطابق لمقتضى الحال، كذلك عرّف الفقهاء أنّ العادل و الورع و المعروف بالسّتر و العفاف و المتّقيّ و من يثق بدينه و أمثال ذلك لا يطلق في عرف النّاس المتشرّعة و غيرهم إلّا على من له ملكة تبعثه على فعل الواجبات و اجتناب الكبائر و مخالفات المروءة فيحمل ما ورد في الأحاديث من الألفاظ الدّالة على العدالة على صاحب الملكة المذكورة و هاهنا ثلاثة أمور يجب التّنبيه لها: الأوّل- ذكروا أنّ صغائر الذّنوب إذا صدرت عن رجل من غير إصرار لم يقدح في وجود ملكة العدالة فيه، كما أنّ السّخيّ إذا بخل مرّة و خالف مقتضى سجيّته نادرا من غير إصرار لم يقدح في ملكة السّخاء و الشّجاع إذا جبن مرّة في غير محلّ الجبن لم يضرّ ملكة الشّجاعة فيه إذ يتّفق لأصحاب الملكات مثل ذلك.
الثّاني ذكروا أنّ منافيات المروءة قادحة في العدالة لأنّ مرتكبها إمّا ماجن وقيح لا يبالي بما يقال فيه و لا يلتزم بالحسن و القبح. و إمّا سفيه ضعيف العقل لا يعرف الحسن من القبيح و على كلّ حال فهو صاحب صفة مذمومة عند الشّارع و ذمّ أصحاب هذه الصّفات و النّهي عن معاشرتهم و الاعتماد عليهم في الأمور في الأحاديث الكثيرة و لا يصدق عليه أنّه مستقيم عادل أي غير منحرف أي عن الصّفات و الأفعال المطلوبة عند الشّارع و لا يشمله قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطّلاق/ ٢] و لا قولهم عليهم السّلام يعرف بالسّتر و العفاف و يوثق بدينه فإنّ الوقيح أو السّفيه لا يعرف بالسّتر و العفاف و لا يثق أحد بدينه. و أمثال ذلك.
الثّالث- أنّ العلم بوجود ملكة العدالة ممكن من تتبّع الآثار كما يمكن العلم بوجود ملكة الشّجاعة و السّخاء و الفقاهة و الطّبّ و سائر الحرف و الصنائع إلّا أن الّذي يظهر من تتبّع أقوال الفقهاء و الأحاديث بل القرآن الكريم التّوسعة فيه و الاكتفاء في الإشهاد بالأمارات الظّنّبة تسهيلا على الأمّة و إن كان تحصيل العلم فيه ممكنا قال تعالى فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا [المائدة/ ١٠٧] إنّما يدلّ على أنّ الشّاهدين أوّلا لم يكن عدالتهما معلومة بالعلم اليقين و إلّا لم يمكن العثور على الإثم بعد ذلك بل اعتمد فيه أوّلا على الظّنّ و بالجملة يكتفي في معرفة العدالة بحسن الظّاهر، ثمّ إنّ مقتضى ظاهر القرآن أنّ اللّه تعالى يتفضّل بالعفو عن المعصية إذا كان لمّما أي اتفاقا نادرا من غير إصرار سواء كانت من الصغائر أو الكبائر إلّا أنّ الظّاهر من كلام الفقهاء أنّه مقيّد بالصغائر فاللّمم فيها معفوّ دون اللّمم في الكبائر و الظّاهر إنّ من يجتنب الكبائر و الصّغائر طول عمره إذا اتّفق صدور ذنب منه نادرا فانّه يندم و إنّ من يرتكب الصّغائر-