سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٨ - تنبيهات
و طريق الجمع بين ذلك كما أشار إليه الحافظ: أنهم لما قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى اللّه سأل عمن يختص بملكه منهم، فعينوا له الغلامين، فابتاعه منهما أو من وليهما، فهما غير بالغين، و حينئذ فيحتمل أن يكون الذين قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى اللّه تحملوا عنه للغلامين اليتيمين، فقد نقل عن ابن عقبة أن أسعد عوض الغلامين ثمنه نخلا له في بني بياضة.
و تقدم أن أبا أيوب قال: «أنا أرضيهما فأرضاهما، و كذلك معاذ بن عفراء فيكون بعد الشراء، و يحتمل أن كلا من أسعد و أبي أيوب و ابن عفراء أرضى اليتيمين بشيء فنسب ذلك لكل منهم.
و قد روى أن اليتيمين امتنعا عن قبول عوض، فيحتمل ذلك على بدء الأمر، لكن يشكل على هذا ما ذكره ابن سعد أن الواقدي، قال: إنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- اشتراه من ابني عفراء بعشرة دنانير ذهبا، دفعها أبو بكر الصديق- رضي اللّه تعالى عنه-، و قد يقال إن الشراء وقع من ابني عفراء، لأنهما كانا وليين لليتيمين، و رغب أبو بكر في الخير كما رغب فيه أسعد و أبو أمامة، و معاذ بن عفراء، فدفع لهم أبو بكر العشرة و دفع لهم من كل أولئك ما تقدم، و لم يقبله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أولا لكونه لليتيمين.
و ذكر البلاذري: أن أسعد بن زرارة عرض على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن يأخذه و يدفع لليتيمين ثمنه فأبى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ذلك و ابتاعه منه بعشرة دنانير، أداها من مال أبي بكر، فيحتمل أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أخذ أولا بعض المربد، ثم أخذ بعضا و قد ورد ما يقتضي أن أسعد بن زرارة كان قد بنى بهذا المربد مسجدا [آخر لما سيأتي من أنه زاد فيه مرة أخرى، فليست القصة متحدة] [١].
فروى يحيى بن الحسن عن النوار بنت مالك أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يصلي بالناس الصلوات الخمس، و يجمع لهم في مسجد بناه في مربد سهل و سهيل ابني رافع بن عمرو بن عائذ بن مالك بن النجار قالت: فكأني أنظر إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لما قدم المدينة صلى بهم في ذلك المسجد، و بناه فهو مسجده و ذكر البلاذري نحوه. انتهى.
و روى الشيخان و البيهقيّ أن المسجد كان جدادا مجددا، ليس عليه سقف، و قبلته القدس، فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بالنخل و بالفرقد الذي فيه أن يقطع، و كان فيه قبور جاهلية، فأمر بها فنبشت، و أمر بالعظام أن تغيب، و كان بالمربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب و كان
[١] ما بين المعكوفين سقط في أ.