سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٤ - الباب الخامس في حكم أفعاله الدنيوية- (صلّى اللّه عليه و سلّم)
و يتولّى في منزله ما يتولّى الخادم من مهنته، و يتسمّت في ملئه، حتى لا يبدو شيء من أطرافه، و حتى كأن على رؤوس جلسائه الطير، و يتحدث مع جلسائه بحديث أوّلهم، و يتعجّب مما يتعجبون منه، و يضحك مما يضحكون منه، قد وسع الناس بشره و عدله، لا يستفزّه الغضب، و لا يقصّر عن الحقّ، و لا يبطن على جلسائه،
يقول: ما كان لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين.
فإن قلت: فما معنى قوله لعائشة رضي اللّه عنها في الداخل عليه: بئس ابن العشيرة.
فلما دخل ألان له القول و ضحك معه، فلما سألته عن ذلك قال: إنّ من شرّ الناس من اتّقاه الناس لشرّه.
و كيف جاز أن يظهر له خلاف ما يبطن، و يقول في ظهره ما قال؟
فالجواب أنّ فعله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان استئلافا لمثله، و تطييبا لنفسه، ليتمكّن إيمانه، و يدخل في الإسلام بسببه أتباعه، و يراه مثله فينجذب بذلك إلى الإسلام.
و مثل هذا على هذا الوجه قد خرج من حدّ مداراة الدنيا إلى السياسة الدّينية.
و قد كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يستألفهم بأموال اللّه العريضة فكيف بالكلمة اللّيّنة؟
قال صفوان: لقد أعطاني و هو أبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني حتى صار أحبّ الخلق إليّ.
و قوله فيه: بئس ابن العشيرة- هو غير غيبة، بل هو تعريف ما علمه منه لمن لم يعلم، ليحذر حاله، و يحترز منه، و لا يوثق بجانبه كلّ الثّقة، و لا سيما و كان مطاعا متبوعا.
و مثل هذا إذا كان لضرورة و دفع مضرّة لم يكن بغيبة، بل كان جائزا، بل واجبا في بعض الأحيان كعادة المحدّثين في تجريح الرواة و المزكّين في الشّهود.
فإن قيل: فما معنى المعضل الوارد
في حديث بريرة من قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) لعائشة، و قد أخبرته أنّ موالي بريرة أبوا بيعها إلا أن يكون لهم الولاء، فقال لها (صلّى اللّه عليه و سلّم): اشتريها و اشترطي لهم الولاء.
ففعلت، ثم قام خطيبا، فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب اللّه، كل شرط ليس في كتاب اللّه فهو باطل
و النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قد أمرها بالشّرط لهم، و عليه باعوها، و لولاه- و اللّه أعلم- لما باعوها من عائشة، كما لم يبيعوها قبل حتى شرطوا ذلك عليها، ثم أبطله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو قد حرّم الغشّ و الخديعة.
فاعلم- أكرمك اللّه- أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) منزّه عمّا يقع في بال الجاهل من هذا، و لتنزيه النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن ذلك ما قد أنكر قوم هذه الزيادة: قوله: اشتر لهم الولاء، إذ ليست في أكثر طرق