سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨١ - الثاني
ثمّ استغفر و انصرف.
قال العتبيّ: فرقدتّ فرأيت النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في النّوم، و هو:- يقول: الحق الأعرابيّ و بشّره بأن اللّه: غفر له بشفاعتي فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم أجده [١].
و رويت هذه القصّة من غير طريق العتبي رواه ابن عساكر في «تاريخه» و ابن الجوزيّ في «الوفاء» عن محمد بن حرب الهلالي و قد خمس هذه الأبيات جماعة منهم الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد الأقفسهي.
و روى الحافظ ابن النّعمان في «مصباح الظّلام في المستغيثين بخير الأنام» من طريق الحافظ ابن السمعانيّ بسنده عن عليّ- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قدم علينا أعرابيّ بعد ما دفنّا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بثلاثة أيام فرمى نفسه على القبر الشريف، و حثا من ترابه على رأسه و قال: يا رسول اللّه، قلت فسمعنا قولك، و وعيت عن اللّه تعالى، و وعينا عنك و كان فيما أنزل عليك:
وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ، وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤] و قد ظلمت نفسي، و جئتك تستغفر لي فنودي من القبر: إنّه قد غفر لك.
و الآية دالّة على الحثّ على المجيء إلى الرّسول- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و الاستغفار عنده و استغفاره لهم، و هذه رتبة لا تنقطع بموته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و العلماء- رضي اللّه تعالى عنهم- فهموا من الآية العموم، بحالتي الموت و الحياة و استحبوا لمن أتى القبر الشريف أن يتلوها و يستغفر اللّه تعالى.
و أما السّنّة فما ذكر في الكتب و ما ثبت من خروج النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من المدينة لزيارة قبر الشهداء، و إذا ثبت أن الزيارة قربة فالسفر كذلك، و إذا جاز الخروج للقريب جاز للبعيد، و حينئذ فقبره- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أولى، و قد وقع الإجماع على ذلك لإطباق السلف و الخلف.
قال القاضي عياض- (رحمه اللّه تعالى)-: زيارة قبر النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- سنة بين المسلمين و مجمع عليها و فضيلة مرغب فيها و أجمع العلماء على زيارة القبور للرّجال و النّساء كما حكاه النّوويّ- (رحمه اللّه تعالى)- بل قال بعض الظاهرية بوجوبه، و اختلفوا في النساء و قد امتاز القبر الشريف بالأدلة الخاصّة به كما سبق.
قال السّبكيّ: و لهذا أقول: لا فرق بين الرّجال و النّساء.
و أما القياس فعلى ما ثبت من زيارته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لأهل البقيع و شهداء أحد، و إذا استحب زيارة قبر غيره فقبره أولى، لما له من الحقّ و وجوب التعظيم، و ليست زيارته إلا لتعظيمه و التبرك
[١] لا تثبت من وجه صحيح.