سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١ - الباب الرابع في حكم أقواله الدنيوية من إخباره عن أحواله و أحوال غيره و ما يفعله أو فعله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)
و روى نحوه عمرو بن فائد، عن الزّهري، قال: نزل جبريل على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يعلمه أنّ اللّه يزوّجه زينب بنت جحش، فذلك الذي أخفى في نفسه.
و يصحّح هذا قول المفسّرين في قوله تعالى بعد هذا: وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا، أي لا بدّ لك أن تتزوّجها.
و يوضّح هذا أنّ اللّه لم يبد من أمره معها غير زواجه لها، فدلّ أنه الذي أخفاه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ممّا كان أعلمه به تعالى.
و قوله تعالى في القصة: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا.
فدلّ أنه لم يكن عليه حرج في الأمر.
قال الطّبريّ: ما كان اللّه ليؤثم نبيه فيما أحلّ مثال فعله لمن قبله من الرّسل، قال اللّه تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، أي: من النبيّين فيما أحلّ لهم، و لو كان على ما روي في حديث قتادة من وقوعها من قلب النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند ما أعجبته، و محبّته طلاق زيد لها لكان فيه أعظم الحرج، و ما لا يليق به من مدّ عينيه لما نهي عنه من زهرة الحياة الدنيا، و لكان هذا نفس الحسد المذموم الذي لا يرضاه و لا يتّسم به الأتقياء، فكيف سيّد الأنبياء؟.
قال القشيري: و هذا إقدام عظيم من قائله، و قلّة معرفة بحقّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و بفضله.
و كيف يقال: رآها فأعجبته و هي بنت عمّته، و لم يزل يراها منذ ولدت، و لا كان النساء يحتجبن منه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و هو زوّجها لزيد، و إنما جعل اللّه طلاق زيد لها، و تزويج النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) إياها، لإزالة حرمة التّبنّي، و إبطال سنّته، كما قال: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ. و قال:
لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ.
و نحوه لابن فورك.
و قال أبو الليث السمرقندي: فإن قيل: فما الفائدة في أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) لزيد بإمساكها؟ فهو أنّ اللّه أعلم نبيّه أنها زوجته، فنهاه النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن طلاقها، إذ لم تكن بينهما ألفة، و أخفى في نفسه ما أعلمه اللّه به، فلما طلّقها زيد خشي قول الناس: يتزوّج امرأة ابنه، فأمره اللّه بزواجها ليباح مثل ذلك لأمّته، كما قال تعالى: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً.
و قد قيل: كان أمره لزيد بإمساكها قمعا للشّهوة، و ردّا للنفس عن هواها. و هذا إذا جوّزنا عليه أنه رآها فجأة و استحسنها. و مثل هذا لا نكرة فيه، لما طبع عليه ابن آدم من استحسانه