سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨٥ - الباب السابع و العشرون في عظم المصيبة و ما نزل بالمسلمين بموته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و الظلمة التي غشيت المدينة و تغير قلوب الناس و أحوالهم و بعض ما رثي به من الشعر
فلو أنّ ربّ النّاس أبقاك بيننا* * * سعدنا، و لكن أمرنا كان ماضيا!
عليك من اللّه السّلام تحيّة،* * * و أدخلت جنّات من العدن راضيا!
و قال كعب بن مالك- رضي اللّه تعالى عنه-:
و باكية حرّاء تحزن بالبكا* * * و تلطم منها خدّها و المقلّدا
على هالك بعد النّبيّ محمّد* * * و لو علمت لم تبك إلّا محمّدا
فجعنا بخير النّاس حيّا و ميّتا* * * و أدناه من ربّ البريّة مقعدا
و أفظعهم فقدا على كلّ مسلم* * * و أعظمهم في النّاس كلّهم يدا
لقد ورثت أخلاقه المجد و الثّقى* * * فلم تلقه إلّا رشيدا و مرشدا
و قالت صفيّة بنت عبد المطلب- رضي اللّه تعالى عنها-:
لهف نفسي! و بتّ كالمسلوب* * * آرق اللّيل فعلة المحروب!
من هموم و حسرة ردفتني،* * * ليت أنّي سقيتها بشعوب!
حين قالوا: إنّ الرّسول قد امسى* * * وافقته منيّة المكتوب!
إذ رأينا أنّ النّبيّ صريع،* * * فأشاب القذال أيّ مشيب
إذ رأينا بيوته موحشات،* * * ليس فيهنّ بعد عيش حبيبي
أورث القلب ذاك حزنا طويلا،* * * خالط القلب، فهو كالمرعوب
ليت شعري! و كيف أمسي صحيحا* * * بعد أن بين بالرّسول القريب؟
أعظم النّاس في البريّة حقّا،* * * سيّد النّاس حبّه في القلوب
فإلى اللّه ذاك أشكوا و حسبي،* * * يعلم اللّه حوبتي و نحيبي!
و قالت أيضا- رضي اللّه تعالى عنها-:
أ فاطم، بكّي و لا تسأمي* * * بصبحك، ما طلع الكوكب!
هو المرء يبكى، و حقّ البكاء!* * * هو الماجد السّيّد الطّيّب!
فأوحشت الأرض من فقده،* * * و أيّ البريّة لا ينكب؟
فما لي بعدك حتّى المما* * * ت إلّا الجوى الدّاخل المنصب
فبكّي الرّسول! و حقّت له* * * شهود المدينة و الغيّب!
لتبكيك شمطاء مضرورة،* * * إذا حجب النّاس لا تحجب