سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥ - الباب الثاني في بيان ما هو في حقه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- سب من المسلم
و أفتى أبو محمد بن أبي زيد بقتل رجل سمع قوما يتذاكرون صفة النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذ مرّ بهم رجل قبيح الوجه و اللّحية، فقال لهم: تريدون تعرفون صفته، هي في صفة هذا المارّ في خلقه و لحيته. قال: و لا تقبل توبته.
و قد كذب- لعنه اللّه، و ليس يخرج من قلب سليم الإيمان.
و قال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون: من قال: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان أسود يقتل.
و قال في رجل قيل له: لا، و حقّ رسول اللّه. فقال: فعل اللّه برسول اللّه كذا و كذا- و ذكر كلاما قبيحا، فقيل له: ما تقول يا عدوّ اللّه؟ فقال أشدّ من كلامه الأول، ثم قال: إنما أردت برسول اللّه العقرب. فقال ابن أبي سليمان الذي سأله: اشهد عليه و أنا شريكك- يريد في قتله و ثواب ذلك.
قال حبيب بن الربيع: لأنّ ادّعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل، لأنه امتهان، و هو غير معزّز لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لا موقّر له، فوجب إباحة دمه.
و أفتى أبو عبد الله بن عتّاب في عشّار قال لرجل: أدّ و اشك إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قال: إن سألت أو جعلت فقد جهل و سأل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بالقتل.
و أفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقّه الطليطليّ و صلبه بما شهد عليه به من استخفافه بحق النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم، و ختن حيدرة، و زعمه أنّ زهده لم يكن قصدا، و لو قدر على الطيبات أكلها، إلى أشباه لهذا.
و أفتى فقهاء القيروان و أصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري، و كان شاعرا متفنّنا في كثير من العلوم، و كان ممّن يحضر مجلس القاضي أبي العباس بن طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء باللّه و أنبيائه و نبيّنا (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فأحضر له القاضي يحيى بن عمر و غيره من الفقهاء، و أمر بقتله و صلبه، فطعن بالسكين، و صلب منكّسا، ثم أنزل و أحرق بالنار.
و حكى بعض المؤرخين أنه لمّا رفعت خشبته، و زالت عنها الأيدي استدارت، و حوّلته عن القبلة، فكان آية للجميع، و كبّر الناس، و جاء كلب فولغ في دمه، فقال يحيى بن عمر:
صدق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)،
و ذكر حديثا عنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: لا يلغ الكلب في دم مسلم.
و قال القاضي أبو عبد الله بن المرابط: من قال: إنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) هزم يستتاب، فإن تاب و إلا قتل، لأنه تنقّص، إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته، إذ هو على بصيرة من أمره، و يقين من عصمته.