سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٩٢ - الباب الرابع في آداب زيارته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)
و في كتب الحنفية قال نحو هذا، قال العزّ بن جماعة: و ما ذكروه من العود قباله الوجه الشريف، و من التقدم إلى رأس القبر المقدس للدعاء لم يكن إلا عقب الزيارة، و لم ينقل عن فعل الصحابة و التابعين- رضي اللّه تعالى عنهم- أجمعين.
قال السيد: أما الدعاء و التوسل هناك فله أصل عنهم، و الذي لم ينقل إنما هو هذا الترتيب المخصوص، و الظاهر أن المراد بذلك تأخير الدعاء عن السلام على الشيخين، و الجمع بين موقف السلف الأول الذي كان قبل إدخال الحجرة، و الثاني الذي كان بعده حسن.
قال النووي: (رحمه اللّه تعالى): ثم يأتي الرّوضة، فيكثر فيها من الدعاء و الصلاة، و يقف عند المنبر و يدعو.
قال السيد: و يقف أيضا و يدعو عند أسطوان المهاجرين، و يتبرّك بالصلاة عندها، و كذا أسطوان أبي لبابة، و أسطوان الحرس و أسطوان الوفود، و أسطوان التهجد بعد أن يسلم على السيدة فاطمة الزّهراء- رضي اللّه تعالى عنها- عند المحراب الذي في بيتها داخل المقصورة، على القول بدفنها هناك.
و منها تعظيمه و توقيره، لأنهما واجبان حيا و ميتا قال اللّه تبارك و تعالى: يا أيُّهَا النَّبِيُ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩] و قال تبارك اسمه فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٧] فأخبر أن الفلاح إنما يكون لمن جمع إلى الإيمان تعزيره، و لا خلاف أن التعزير ها هنا هو التعظيم، فانظر ما في هذه الآية من تعظيم اللّه تعالى لنبينا- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-، حين قدم في الذكر تعزيره و نصرته على اتباع النور الذي أنزل معه، و في ذلك من الإشعار بعلو المنزلة و ارتفاع الرتبة و الإجلال و التوقير و التعظيم ما لا يخفى على من يفهم مواقع كلام اللّه سبحانه و تعالى.
و قال عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ [الحجرات:
١].
و قال تبارك اسمه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ [الحجرات: ٢] الثلاث آيات.
و قال جلّ و علا: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور: ٦٣] فأوجب و اللّه تعالى تعزيره و توقيره، و ألزم إكرامه و تعظيمه.
قال ابن عباس، يعزّروه أي: يجلوه.