سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٩٠ - الباب الرابع في آداب زيارته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)
ثم يتأخر صوب يمينه قدر ذراع، فيصير تجاه عمر بن الخطّاب- رضي اللّه تعالى عنه- فيقول: السلام عليك يا عمر الفاروق الذي أعز اللّه بك الإسلام جزاك اللّه عن أمة محمّد- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- خير الجزاء ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأوّل قبالة وجه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فيتوسّل به في حقّ نفسه و يستشفع به إلى ربّه سبحانه و تعالى، و من أحسن ما يقول ما حكاه المصنفون في المناسك من جميع المذاهب و استحسنوه و رأوه من أدب الزّائر عن أبي عبد الرحمن محمد بن عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عقبة بن أبي سفيان- صخر بن حرب- العتبي أحد أصحاب سفيان بن عيينة قال: دخلت المدينة فأتيت قبر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فزرته و جلست بحزائه فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرّسل، إنّ اللّه أنزل عليك كتابا صادقا قال فيه: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤] و إني جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربّي ثم بكى و أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه* * * فطاب من طيبهنّ القاع و الأكم
نفسي لقبر أنت ساكنه* * * فيه العفاف و فيه الجود و الكرم
ثم استغفر و انصرف فرقدتّ فرأيت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في نومي و هو يقول: الحق الأعرابيّ، و بشّره بأن اللّه تعالى غفر له بشفاعتي فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم أجده، رواها ابن عساكر في تاريخه و ابن الجوزيّ في كتابه: «مثير العزم السّاكن» عن محمد بن حرب الهلاليّ أنه اتفق له مثل ما اتّفق للعتبي و وردت هذه القصة من غير طريق العتبي فرواها.
و روى ابن السّمعاني عن علي بن أبي طالب- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قدم علينا أعرابيّ بعد ما دفنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بثلاثة أيام فرمى نفسه على قبر النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و حثا من ترابه على رأسه و قال: يا رسول اللّه، قلت فسمعنا قولك و وعيت عن اللّه تعالى و وعينا عنك، و كان فيما أنزل عليك وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا [النساء: ٦٤] الآية فنودي من القبر قد غفر لك.
و ليجدد التّوبة في ذلك الموقف و يسأل اللّه سبحانه و تعالى أن يجعلها توبة نصوحا و ليستشفع به- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى ربّه في قبولها و ليكثر الاستغفار و التّضرّع بعد تلاوة الآية التي في قصّة العتبيّ و يقول: نحن وفدك يا رسول اللّه و زوّارك جئناك لقضاء حقّك و التبرك بزيارتك و الاستشفاع بك إلى ربك تعالى، فإن الخطايا قد أثقلت ظهورنا، و أنت الشافع المشفع، و الموعود بالشفاعة العظمى، و المقام المحمود، و قد جئناك ظالمين لأنفسنا، مستغفرين لذنوبنا، سائلين منك أن تستغفر لنا إلى ربك، فأنت نبيّنا و شفيعنا، فاشفع لنا إلى ربك و اسأله أن يميتنا على سنّتك و محبتك، و يحشرنا في زمرتك، و أن يوردنا حوضك، غير خزايا و لا ندامى.