سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٥ - الباب الأول في حاله في جسمه (صلّى اللّه عليه و سلّم)
فاعلم- وفّقنا اللّه و إياك- أنّ هذا الحديث صحيح متفق عليه، و قد طعنت فيه الملحدة، و تدرّعت به لسخف عقولها و تلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشّرع، و قد نزّه اللّه الشّرع و النبيّ عما يدخل في أمره لبسا و إنما السّحر مرض من الأمراض، و عارض من العلل، يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر و لا يقدح في نبوّته.
و أمّ ما ورد أنه كان يخيّل إليه أنه فعل الشيء و لا يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه، لقيام الدّليل و الإجماع على عصمته من هذا، و إنما هذا فيما يجوز طروءه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها، و لا فضّل من أجلها، و هو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيّل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ينجلي عنه، كما كان.
و أيضا فقد فسّر هذا الفصل الحديث الآخر من قوله: حتى يخيّل إليه أنه يأتي أهله و لا يأتيهن.
و قد قال سفيان- و هذا أشدّ من السّحر، و لم يأت في خبر منها أنه نقل عنه في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله و لم يفعله، و إنما كانت خواطر و تخيلات.
و قد قيل: إنّ المراد بالحديث أنه كان يتخيّل الشيء أنه فعله، و ما فعله، لكنه تخييل لا يعتقد صحته، فتكون اعتقاداته كلها على السّداد، و أقواله على الصحة.
هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث مع ما أوضحناه من معنى كلامهم، و زدناه بيانا من تلويحاتهم. و كلّ وجه منها مقنع، لكنه قد ظهر لي في الحديث تأويل أجلى و أبعد من مطاعن ذوي الأضاليل يستفاد من نفس الحديث، و هو أنّ عبد الرزّاق قد روى هذا الحديث عن ابن المسيّب، و عروة بن الزبير، و قال فيه عنهما: سحر يهود بني زريق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فجعلوه في بئر حتى كاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن ينكر بصره، ثمّ دلّه اللّه على ما صنعوا فاستخرجه من البئر.
و روي نحوه، عن الواقدي، و عن عبد الرحمن بن كعب، و عمر بن الحكم.
و ذكر عن عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر: حبس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن عائشة سنة، فبينا هو نائم أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه و الآخر عند رجليه ... الحديث.
قال عبد الرزاق: حبس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن عائشة خاصة سنة حتى أنكر بصره.
و روى محمد بن سعد، عن ابن عباس: مرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فحبس عن النساء و الطعام و الشراب، فهبط عليه ملكان ... و ذكر القصة.