سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦١ - تنبيهات
روى حديث أوس بن أوس قال: و هو حديث حسن صحيح، أخرجه أبو داود و النّسائي و جماعة، و قد روى مسلم عن أنس أن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال: «مررت ليلة أسرى بي على موسى و هو قائم يصلّي في قبره»
و هذا من صفة الأجساد لا من صفة الأرواح.
قال: و في حديث حسن في الإسراء أن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال: فدخلت المسجد فعرفت النبيين ما بين قائم و راكع و ساجد، و قد صحّ في أحاديث كثيرة أن آدم و إبراهيم- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قالا له: مرحبا بالأخ الصّالح، و صحّ أنه لما لقي موسى و جاوزه بكى موسى و قد وصف- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- الأنبياء فقال: رأيت موسى قائما يصلّي، كأنه من رجال شنوءة و رأيت عيسى قائما يصلي كأنه عروة بن مسعود الثقفيّ، و أما إبراهيم فأشبه الناس بصاحبكم- يعني نفسه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و هذه صفة الأجساد لا صفة الأرواح، و قد أخبر- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أنه لما لقي موسى بعد أن فرض اللّه عليه خمسين صلاة فقال له: إنّي جربت النّاس قبلك و عالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، فارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف، ففعل ذلك مرارا إلى أن أمره اللّه بخمس صلوات،
و محال أن يكون هذا الخطاب من روح موسى دون جسده، و القائل بذلك مخالف للنّقل و العقل و نمنع أن يراهم في أجسادهم و يصفها، و يخاطبهم و يخاطبونه ثم يصلّي بالأرواح دون الأجساد، و الصلاة في اللغة:
الدّعاء.
و في الشريعة: عبارة عن القراءة مع القيام و الركوع و السّجود.
و قيام الأرواح و قعودها و قراءتها غير مدرك و لا معقول و لا منقول، فتبارك الذي خص محمدا عبده و رسوله و خيرته من خلقه. فإن قال قائل: كيف صلّى بهم في بيت المقدس ثم رآهم في السّماء؟.
فنقول، و باللّه التوفيق: إن الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إلى السّماء إلى سدرة المنتهى فكان قاب قوسين أو أدنى ثم رجع إلى مكّة قبل الصّبح هو الذي أراه إياهم كيف يشاء و جمعهم له أين يشاء، فسبحان الذي لا يحاط بقدرته، و لا تنتهي عظمته، و لا تدرك حقيقته و هو على كل شيء قدير ليس كمثله شيء و هو السميع البصير، انتهى كلام الحافظ عبد الغني المقدسي (رحمه اللّه).
و في صحيح مسلم أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال: إنّ إبراهيم ابني مات، و إنه مات في الثّدي و إن له لظئرين تكمّلان رضاعه في الجنّة.
و وجه الدّلالة من هذا الحديث ظاهرة و أن تكملة الرضاع إنما هو في الدّنيا، و إذا كان هذا في حقّ ولده- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كرامة له فلأن يثبت في حقّه الحياة- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بطريق أولى.
و روى أبو داود الطيالسيّ بسند صحيح أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال: لما مات إبراهيم:
إنّ له مرضعا في الجنة.