سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٣ - تنبيهات
أحدهما: تألّم الجسد الشريف بتكرّر خروج الرّوح منه أو نوع ما من مخافة التكرار إن لم يكن تأليما.
و الآخر: مخالفة سائر الناس الشهداء و غيرهم، فإنه لم يثبت لأحد منهم أنه يتكرر له مفارقة الرّوح و عودها إلى البرزخ، و النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أولى بالاستمرار الذي هو أعلى مرتبة.
و محذور ثالث و هو مخالفة القرآن فإنه دلّ على أنه ليس إلا موتة و حياتان، و هذا التكرير يستلزم موتات كثيرة و هو باطل انتهى.
ثم قال القونوي: و إما أن يقال يردها عند سلام المسلّم الأوّل ثم قبضها بعد ذلك، ثم ردها عند مسلّم آخر و هكذا كلّما سلم عليه المسلمون، و هذا لم يقل به أحد، و لا يجوز اعتقاده أيضا، فإنه يفضى إلى توالى موتات لا تحصى و رد الروح مرّات لا تحصى، فإن كل مصلّ يسلّم عليه في صلاته مرّة أو مرتين و غير المصلّي أيضا يسلّم عليه، و يختلف أوقات سلامهم فلا يخلو ساعة من الساعات من سلام عليه و لا يخفى ما في التزام تكرار الرّدّ بتكرار ذلك المحذور فتعين القول بردّها عليه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بعد موته مرّة واحدة لرد السّلام على المسلّم الأول و استمرار الحياة بعد ذلك إلى يوم القيامة فيكون النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حيّا في قبره ثم أيّد ذلك
بما رواه مسلم عن أنس مرفوعا، رأيت موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر و هو قائم يصلّي في قبره.
الجواب الثّاني: قال السّبكيّ: يحتمل أن يكون ردّا معنويّا، و أن تكون روحه الشريفة مستقلة بشهود الحضرة الإلهية و الملأ الأعلى عن هذا العالم فإذا سلّم عليه أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم فيدرك سلام من سلم عليه، أو يرد عليه.
الثالث: قال الشيخ: إن لفظ «الرّدّ» قد لا يدل على انفكاك المفارقة: بل كنّى به عن مطلق الصّيرورة كما قيل في قوله تعالى حكاية عن شعيب- (عليه الصلاة و السلام)- قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ [الأعراف: ٨٩] إن لفظ العود أريد به مطلق الصّيرورة لا العود بعد الانتقال، لأن شعيبا- (عليه الصلاة و السلام)- لم يكن في ملتهم قطّ، و حسن استعمال هذا اللفظ في هذا الحديث مراعاة للمناسبة اللفظية بينه و بين قوله: «حتّى أردّ (عليه السلام)» في لفظ الرّدّ في صدر الحديث لمناسبة ذكره في آخر الحديث.
الرابع: قال الشّيخ: ليس المراد برد الروح عودها بعد المفارقة للبدن، و إنما النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في البرزخ مشغول بأحوال الملكوت مستغرق في مشاهدة ربّه كما كان في الدّنيا في حاله بالوحي، و في أوقات أخر فعبر عن إفاقته من تلك المشاهدة، و ذلك الاستغراق بردّ الرّوح، و نظير هذا قول العلماء في اللفظة التي وقعت في بعض أحاديث الإسراء لم يكن