سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١ - الباب الرابع في بيان قتل الساب إذا كان ممن يدعي الإسلام و لم يتب
و روى ابن قانع أنّ رجلا جاء إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: يا رسول اللّه، سمعت أبي يقول فيك قولا قبيحا فقتلته! فلم يشقّ ذلك على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و بلغ المهاجر بن أبي أمية أمير اليمن لأبي بكر رضي اللّه عنه أن امرأة هناك في الردّة غنّت بسبّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقطع يدها، و نزع ثنيّتها، فبلغ أبا بكر رضي اللّه عنه ذلك، فقال له:
لو لا ما فعلت لأمرتك بقتلها، لأنّ حدّ الأنبياء ليس بشبه الحدود.
و عن ابن عباس: هجت امرأة من خطمة النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: من لي بها؟ فقال رجل من قومها: أنا يا رسول اللّه. فنهض فقتلها، فأخبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: لا ينتطح فيها عنزان.
و عن ابن عباس أن أعمى كانت له أمّ ولد تسبّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) و تشتمه، فقتلها، و أعلم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) بذلك، فأهدر دمها.
و في حديث أبي برزة الأسلمي: كنت يوما جالسا عند أبي بكر الصديق، فغضب على رجل من المسلمين- و حكى القاضي إسماعيل و غير واحد من الأئمة في هذا الحديث أنه سبّ أبا بكر.
و رواه النّسائي: أتيت أبا بكر، و قد أغلظ لرجل فردّ عليه، قال: فقلت: يا خليفة رسول اللّه، دعني أضرب عنقه. فقال: اجلس، فليس ذلك لأحد إلا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
قال القاضي أبو محمد بن نصر: و لم يخالف عليه أحد، فاستدلّ الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكلّ ما أغضبه أو آذاه أو سبّه.
و من ذلك كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالكوفة، و قد استشاره في قتل رجل سبّ عمر رضي اللّه عنه، فكتب إليه عمر: إنه لا يحلّ قتل امرئ مسلم بسبّ أحد من الناس إلا رجلا سبّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فمن سبّه فقد حلّ دمه.
و سأل الرشيد مالكا في رجل شتم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ذكر له أنّ فقهاء العراق أفتوه بجلده، فغضب مالك، و قال: يا أمير المؤمنين، ما بقاء الأمة بعد شتم نبيّها! من شتم الأنبياء قتل، و من شتم أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) جلد.
قال القاضي أبو الفضل (رحمه اللّه تعالى): كذا وقع في هذه الحكاية، و رواها غير واحد من أصحاب مناقب مالك و مؤلّفي أخباره و غيرهم، و لا أدري من هؤلاء الفقهاء بالعراق الذين أفتوا الرشيد بما ذكر! و قد ذكرنا مذهب العراقيين بقتله، و لعلّهم ممن لم يشهر بعلم، أو من لا يوثق بفتواه، أو يميل به هواه بقتله أو يكون ما قاله يحمل على غير السبّ، فيكون الخلاف: هل