سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢ - الباب الرابع في بيان قتل الساب إذا كان ممن يدعي الإسلام و لم يتب
هو سبّ أو غير سب؟ أو يكون رجع و تاب من سبّه، فلم يقله لمالك على أصله، و إلا فالإجماع على قتل من سبّه كما قدّمناه.
و يدلّ على قتله من جهة النّظر و الاعتبار أنّ من سبّه أو تنقّصه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقد ظهرت علامة مرض قلبه، و برهان سرّ طويّته و كفره، و لهذا ما حكم له كثير من العلماء بالردّة، و هي رواية الشاميين عن مالك و الأوزاعي، و قول الثوري، و أبو حنيفة، و الكوفيين.
و القول الآخر أنه دليل على الكفر، فيقتل حدّا، و إن لم يحكم له بالكفر إلّا أن يكون متماديا على قوله، غير منكر له، و لا مقلع عنه، فهذا كافر، و قوله: إمّا صريح كفر كالتكذيب و نحوه، أو من كلمات الاستهزاء و الذمّ، فاعترافه بها و ترك توبته عنها دليل استحلاله لذلك، و هو كفر أيضا، فهذا كافر بلا خلاف، قال اللّه تعالى في مثله: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ.
قال أهل التفسير: هي قولهم: إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير.
و قيل: قول بعضهم: ما مثلنا و مثل محمد إلا قول القائل: سمّن كلبك يأكلك، و لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ.
و قد قيل: إنّ قائل مثل هذا إن كان مستترا به إنّ حكمه حكم الزّنديق يقتل، و لأنه قد غيّر دينه، و
قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «من غيّر دينه فاضربوا عنقه»،
و لأنّ لحكم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الحرمة مزيّة على أمته، و ساب الحرّ من أمّته يحدّ، فكانت العقوبة لمن سبّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) القتل، لعظيم قدره، و شفوف منزلته على غيره ...].