سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٦٢ - تنبيهات
فقد تبين لك- رحمك اللّه من الأحاديث السابقة- حياة النبيّ و سائر الأنبياء- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و قد قال اللّه سبحانه و تعالى في الشهداء: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩] و الأنبياء أولى بذلك فهم أجل و أعظم و قلّ نبي إلا و قد جمع مع النبوة وصف الشهادة، فيدخلون في عموم لفظ الآية، فثبت كونه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حيّ في قبره بنص القرآن إمّا من عموم اللّفظ و إما من مفهوم الموافقة.
الثاني: إن قيل: إن
قوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: «إلّا ردّ اللّه إليّ روحي»
يقتضي مفارقة الرّوح لبدنه الشريف في بعض الأوقات، و ذلك لا يلتئم مع كونه حيّا على الدوام.
و قال الشيخ الإمام العلّامة علاء الدين القونويّ الشافعيّ في «آداب البحث» له: ظاهرة رد روحه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- عند سلام أول من سلّم عليه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بعد وفاته، ثم إما أنه أن يقال: باستمرار حياته بعد ذلك، و بقاء روحه المباركة في جسده الشّريف، كما كان قبل، و هو المدّعى و يحسن على هذا أن يقدر في حديث لفظة «قد» بعد أداة الاستثناء حتى يكون المعنى: ما من أحد يسلّم عليّ إلا قد رد اللّه على روحي. انتهى.
و هذا أحد الأجوبة قاله البيهقي.
و بهذا جزم الإمام العلّامة جمال الدين محمود بن جملة خطيب الجامع الأمويّ في كتاب الصّلاة على النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: و هو كتاب جليل و لم يطلع عليه شيخنا (رحمه اللّه تعالى)، و قد أوضح الشّيخ بلك في «فتاويه» قبل الوقوف على كلام البيهقي فقال في فتاويه: إن قوله:
«ردّ اللّه تعالى» جملة حالية و قاعدة العربية أن جملة الحال إذا وقعت فعلا ماضيا قدّرت فيها «قد» كقوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [النساء: ٩٠] أي قد حصرت، و كذا هنا تقدر الجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد «و حتّى» ليست للتعليل بل مجرد حرف عطف بعمى «الواو» فصار تقدير الحديث: ما من أحد يسلّم عليّ إلا قد ردّ اللّه عليّ روحي قبل ذلك و أردّ عليه، و إنما جاء الإشكال من ظنّ أن جملة «ردّ اللّه» بمعنى الحال أو الاستقبال و ظن أن «حتّى» تعليلة و ليس كذلك و بهذا الذي قررناه ارتفع الإشكال من أصله.
قال: ثم بعد ذلك رأيت الحديث مخرّجا في كتاب «حياة الأنبياء» للبيهقي بلفظ: «إلّا و قد ردّ اللّه عليّ روحي» فصرح فيه بلفظ «قد» و رواية إسقاطها محمولة على إضمارها و أن حذفها من تصرّف الرواة، و مراد الحديث الإخبار بأن اللّه تعالى يردّ إليه روحه بعد الموت فيصير حيّا على الدوام حتى لو سلّم عليه أحد ردّ عليه سلامه لوجود الحياة فيه فصار الحديث موافقا للأحاديث الواردة في حياته في قبره، و يؤيّده من حيث المعنى أنّ الرد لو أخذ بمعنى الحال أو الاستقبال لزم تكراره عند تكرّر المسلّمين، و تكرّر الرّدّ يستلزم تكرار المفارقة، و تكرار المفارقة يلزم عليه محذوران: